للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

القراءةِ الأُخْرَى: {فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (١) فهم يتفاوتونَ، ففي أعمالِ أهلِ الشرِّ تفاوتٌ، تتفاوتُ بها منازلُهم في النارِ. ولأعمالِ أهلِ الخيرِ تفاوتٌ، تتفاوتُ بها منازلُهم في الجنةِ. وهذا معنَى قولِه: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا}.

والآيةُ فيها موعظةٌ عظيمةٌ، يعني: أيها المخاطبونَ ما دُمْتُمْ في دارِ الدنيا فَاعْلَمُوا أن الدركاتِ في النارِ والدرجاتِ في الآخرةِ إنما تُنَالُ بالأعمالِ في الدنيا، فَرَاقِبُوا اللَّهَ وَاجْتَهِدُوا في أن تكونَ أعمالُكم صالحةً، لأَنْ تكونَ درجاتُكم ومنازلُكم في الجنةِ عاليةً. وكذلك يُحذِّرُ من أن تكونوا في دركاتِ النارِ - والعياذُ بالله - وهذا معنَى قولِه: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا}.

{وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} الخطابُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، و (ما) نافيةٌ، والباءُ في قولِه: {بِغَافِلٍ} هي لتوكيدِ النفيِ؛ لأن للإسنادِ الخبريِّ المنفيِّ توكيدًا كما للإيجابيِّ توكيدًا، فلو قلتَ مثلاً: «زيدٌ قائم». فهذا ليس فيه توكيدٌ، ولو قلتَ في الإثباتِ: «إن زيدًا لقائم». فقد أَكَّدْتَ إثباتَ قيامِه بـ (إن) واللامِ. ولو قلتَ: «ما زيدٌ بقائمٍ». فقد أَكَّدْتَ نفيَ قيامِه بـ (الباءِ)، والباءُ في النفيِ تُفِيدُ التوكيدَ الذي تُفِيدُهُ (إنَّ) في حالةِ الإثباتِ. وهي توكيدٌ للنفيِ، والجارُّ والمجرورُ في مثلِ هذا هو مفردٌ، وليس بِشِبْهِ جملةٍ؛ ولذا لا يُقَدَّرُ له الكونُ ولا الاستقرارُ، فلا يجرى على قولِ ابنِ مالكٍ (٢):

وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرْ ... نَاوِينَ مَعْنَى (كَائِنٍ) أَوْ (اسْتَقَرْ)


(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص ١٨٢ - ١٨٣.
(٢) الخلاصة ص ١٧، وانظر شرحه في التوضيح والتكميل (١/ ١٦٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>