وهذه الآياتُ تدلُّ على أن أهلَ الفترةِ معذورونَ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)} [الأنعام: الآية ١٣١] ويقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥)} [الإسراء: الآية ١٥] وَتَمَسَّكَ بظاهرِ هذه الآياتِ جماعاتٌ من أهلِ العلمِ.
وَذَهَبَ جماعاتٌ آخرونَ، إلى أن الكفرَ وعبادةَ الأوثانِ لا يُعْذَرُ فيه أحدٌ، وأن كلَّ مَنْ ماتَ كافرًا يعبدُ الوثنَ، أنه في النارِ، وإن لم يَأْتِهِ نذيرٌ. واستدلوا بظواهرِ آياتٍ من كتابِ اللَّهِ، وبأحاديثَ جاءت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
والحاصلُ أن هذه المسألةَ مسألةٌ اصْطَدَمَتْ فيها عقولُ الفحولِ، واختلفَ فيها العلماءُ، وجاءَ كُلٌّ منهم بحججٍ وأدلةٍ، وسنذكرُ طَرَفًا من أدلةِ الجميعِ، ومناقشةِ أدلتِهم، ثم نذكرُ ما يُرَجِّحُهُ الدليلُ إن شاء اللَّهُ تعالى (١).
(١) في هذا المسألة راجع: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٠٨ - ٣١٠) أحكام أهل الذمة (٢/ ٦٤٨ - ٦٥٦)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٩٨)، تفسير ابن كثير (٣/ ٢٨ - ٣٢) دفع إيهام الاضطراب ١٧٨ - ١٨٦، نثر الورود (١/ ٤٥)، أضواء البيان (٣/ ٤٧١ - ٤٨٤)، نواقض الإيمان الاعتقادية (١/ ٢٩٤ - ٣٠١)، الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه ٢٠٩ - ٢١٥، منهج الجدل والمناظرة (٢/ ٨٢٧). ومما يتصل بهذا الموضوع مسألة (أطفال المشركين)، وقد أطال الكلام عليها الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٩٦ - ١٤١)، وفي الاستذكار (٨/ ٣٩٠ - ٤٠٨)، وابن القيم في طريق الهجرتين ٣٨٨ فما بعدها. وانظر مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧٢).