الخلافُ المشهورُ بينَ العلماءِ: هل الجنُّ يدخلونَ الجنةَ أو لا يدخلونَ الجنةَ؟؟ (١) وهذا خلافٌ معروفٌ قديمٌ بينَ العلماءِ، وَيُرْوَى عن الإمامِ أَبِي حنيفةَ رحمه اللَّهُ أنه من الطائفةِ الذين يقولونَ: لا يدخلُ الجنُّ الجنةَ، وأن الجنةَ لَا يدخلُها أحدٌ من الجنِّ. وغالبُ ما استدلَّ به هؤلاءِ: أن اللَّهَ جَعَلَ جزاءَهم هو الإجارةَ من العذابِ فقط، وغفرانَ الذنوبِ فقط، حيث قال: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)} [الأحقاف: الآية ٣١] ولم يَقُلْ: ويدخلكم الجنةَ. بخلافِ الإنسِ، فإنه إذا ذُكِرَ ثوابُ الطاعةِ تُذْكَرُ الجنةُ جزاءً لها، ولم يَذْكُرِ اللَّهُ في القرآنِ جَزَاءً للجنِّ إلا غفرانَ الذنوبِ، والإجارةَ من العذابِ الأليمِ. ومن هنا قال مَنْ قال: إن مُؤْمِنِي الجنِّ لَا يدخلونَ الجنةَ.
والتحقيقُ الذي عليه جمهورُ العلماءِ: أنهم كما أن كَافِرَهُمْ في النارِ فمؤمنُهم المطيعُ في الجنةِ، وقد دَلَّتْ على هذا بعضُ ظواهرِ آياتٍ، ومنها قولُه تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)} [الرحمن: الآية ٥٦] فَعُلِمَ أن في الجنةِ جَانًّا يطمثونَ النساءَ، ومن أَصْرَحِ الأدلةِ في ذلك: قولُه تعالى مُخَاطِبًا الجنَّ والإنسَ: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}[الرحمن: الآية ٤٦] ثم قال مُبَيِّنًا دخولَ الجنِّ والإنسِ فيه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}[الرحمن الآية ٤٧]. فلو لم يكن من الآلاءِ على الجنِّ دخولُهم الجنةَ لَمَا قال فيهم وفي الإنسِ مَعًا:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} بعدَ قولِه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ
(١) انظر: القرطبي (١٦/ ٢١٧ - ٢١٨)، ابن كثير (٤/ ١٧٠ - ١٧١) طريق الهجرتين ٤١٧ - ٤٢٧، أضواء البيان (٧/ ٤٠٢ - ٤٠٧) دفع إيهام الاضطراب ٢٦٣ - ٢٦٨.