للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

يقولونَ: ولا بشيءٍ من آلاءِ رَبِّنَا نكذبُ (١). وَذَكَرَ اللَّهُ كثيرًا من قِصَصِهِمْ في سورةِ الجنِّ، وبَيَّنَ أَنَّهُمْ ما كانوا يظنونَ أن اللَّهَ يُمَكِّنُ أَحَدًا أن يفتريَ عليه، قالوا: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّنْ تَقُولَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)} [الجن: الآية ٥] وَبَيَّنُوا أن منهم طَيِّبِينَ وخبثاءَ: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)} [الجن: الآية ١١] وتحصَّل أن قولَه: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} جمهورُ العلماءِ على أن الرسلَ كُلَّهُمْ من الإنسِ، وأنه أُطْلِقَ المجموعُ مُرَادًا بعضُه، لا أن الجنَّ رُسُلٌ أُرْسِلُوا إلى قومِهم.

وخالفَ بعضٌ قليلٌ من أهلِ العلمِ وقالوا: أُرْسِلَتْ للجنِّ رسلٌ منهم لظاهرِ هذه الآيةِ الكريمةِ، قالوا: ولأَنَّ كَوْنَ الرسلِ منهم أَدْرَى بأحوالهم، وأقدرُ على تبليغِهم، وذلك ليس بقاطعٍ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لما جَاءَهُ جِنُّ نصيبين تَكَلَّمَ معهم، وَخَاطَبُوهُ في كُلِّ ما يفيدُ، وأباحَ لهم ما أباحَ لهم من الزادِ، كما هو معروفٌ في الأحاديثِ الصحيحةِ، وَدَعَاهُمْ إلى الإسلامِ (٢). وهذا معنَى قولِه:


(١) ورد ذلك في حديث مرفوع أخرجه الترمذي في التفسير، باب «ومن سورة الرحمن»، حديث رقم: (٣٢٩١) (٥/ ٣٩٩)، والحاكم (٢/ ٤٧٣) وقال: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي. من حديث جابر رضي الله عنه. وللحديث شاهد من حديث ابن عمر (رضي الله عنهما) عند البزار (كشف الأستار ٣/ ٧٤)، وابن جرير (٢٧/ ١٢٣ - ١٢٤). وانظر: السلسلة الصحيحة رقم: (٢١٥٠)، صحيح الترمذي (٣/ ١١٢).
(٢) جاء في وفد نصيبين من الجن عدة أحاديث، منها:
١ - حديث أبي هريرة (رضي الله عنه)، عند البخاري في مناقب الأنصار، باب ذكر الجن، حديث رقم: (٣٨٦٠)، (٧/ ١٧١).
٢ - حديث ابن عباس (رضي الله عنهما)، عند الطبري في التفسير (٢٦/ ٣٠، ٣١، ٣٣).
٣ - حديث الزبير بن العوام (رضي الله عنه)، عند الطبراني في الكبير (١/ ١٢٥) وحسنه الهيثمي في المجمع (١/ ٢١٠).
٤ - حديث ابن مسعود (رضي الله عنه)، وقد جاء بروايات وطرق كثيرة بألفاظ متفاوتة، وممن أخرج حديثه: الإمام أحمد في المسند (١/ ٤٥٨)، وابن جرير في التفسير (٢٦/ ٣٢)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٧٧، ٧٩، ٨٠) وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٦١١)، والخطيب في تاريخه (٢/ ٣٩٨). وللوقوف على بعض روايات أحاديث استماع الجن للنبي - صلى الله عليه وسلم - انظر:
دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٢٢٥ - ٢٣٣)، مجمع الزوائد (٨/ ٣١٣ - ٣١٤)، فتح الباري (٧/ ١٧١ - ١٧٢)، الدراية (١/ ٦٣ - ٦٧)، نصب الراية (١/ ١٣٩ - ١٤٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>