للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمْ ... بِقَوْلٍ وَلَا أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ

أي: برسالةٍ. والمصدرُ إذا نُعِتَ به- بأن أُجْرِيَ مَجْرَى الوصفِ- جازَ إفرادُه، وربما جازَ جمعُه وتثنيتُه نَظَرًا إلى وصفيتِه العارضةِ (١). وتارةً يُنْظَرُ إلى أصلِه وهو المصدرُ، فلا يُجْمَعُ ولَا يُثَنَّى، وتارةً يُنظر إلى ما عَرَضَ له من الوصفيةِ فَيُجْمَعُ ويُثنى.

وبهذا التقريرِ يزولُ الإشكالُ في قولِه عن موسى وهارونَ في (الشعراءِ): {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)} [الشعراء: الآية ١٦] وفي (طه): {إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ} [طه: الآية ٤٧] فَثَنَّى في آيةٍ، وَأَفْرَدَ في أُخْرَى، وهما رَجُلَانِ: موسَى وهارونُ، فإفرادُ الرسولِ نظرًا إلى أصلِه وهو المصدرُ، وتثنيتُه في قولِهم: {إِنَّا رَسُولَا} نظرًا إلى الوصفيةِ العارضةِ له؛ ولذلك جَمَعَ الرسلَ هنا في قولِه: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ} وفي قولِه: {تِلْكَ الرُّسُلُ} [البقرة: الآية ٢٥٣] فيجوزُ إطلاقُ الرسولِ مرادًا به الجمعُ أيضا، كما أُرِيدَ به الاثنانِ، لكن إطلاقَ الرسولِ مُرَادًا به الجمعُ ما جاءَ في القرآنِ، وإنما جاءَ في كلامِ العربِ بكثرةٍ، ومنه قولُ أبِي ذؤيبٍ الهذليِّ في رائيتِه المشهورةِ (٢):

أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّ ... سُولِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ

فَرَدَّ على الرسولِ ضميرَ الجمعِ؛ لأَنَّ أصلَه مصدرٌ.

وقولُه: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} ظاهرُ قولِه: {مِنْكُمْ} أن مِنَ الإنسِ رُسُلاً ومن الجنِّ رُسُلاً، هذا هو الْمُتَبَادَرُ من الآيةِ. ولأجلِ هذا


(١) مضى عند تفسير الآية (٤٦) من هذه السورة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٠) من هذه السورة.

<<  <  ج: ص:  >  >>