والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد بَيَّنَ هذا لعديِّ بنِ حاتمٍ رضي اللَّهُ عنه، فإنه لَمَّا قال له: يا نَبِيَّ اللَّهِ: قولُ اللَّهِ تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا}[التوبة: آية ٣١] كيف اتَّخَذُوهُمْ أربابًا؟ فقال: ألم يُحِلُّوا لهم ما حرَّم اللَّهُ، ويُحرِّمُوا عليهم ما أحلَّ اللَّهُ فَاتَّبَعُوهُمْ؟ قال: بلى. قال: بذلك اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا (١). وذلك هو عبادتُهم إياهم. فَكُلُّ تشريعٍ غيرِ تشريعِ اللَّهِ، وكلُّ نظامٍ غيرِ نظامِ السماءِ الذي يَمْشِي عليه كأنه يقولُ: تشريعُ خالقِ السماواتِ والأرضِ أفضلُ منه تشريعُ غيرِه!! فهو يُنَزِّلُ درجةَ الخالقِ- جل وعلا، سبحانَه عن ذلك وتعالى عُلُوًّا كبيرًا- إلى أن أوضاعًا مُلَفَّقَةً من أذهانِ الكفرةِ الفجرةِ الخنازيرِ أنه أحسنُ من تشريعِ اللَّهِ!! ولذا يعدلونَ عن نورِ القرآنِ والسنةِ النبويةِ الصحيحةِ إلى ما يسمونَه قانونًا ونظامًا وَضَعَهُ أبناءُ الكلابِ القردةُ الخنازيرُ من اجتهاداتهم، تارةً يُحَرِّمُونَ ما أَحَلَّ اللَّهُ صريحًا، ويحللونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ صريحًا، يزعمونَ أن الهدى في هذا!! هذا- والعياذُ بالله- من أشنعِ الكفرِ والطغيانِ على اللَّهِ والتمردِ على نظامِ السماءِ، واحتقارِ الخالقِ -جل وعلا- حيث كان تشريعُه لا ينفعُ، وتشريعُ غيرِه من سَفَلَةِ الخنازيرِ أحسنَ من تشريعِه!! وهذا إنما وَقَعَ- والعياذُ باللَّهِ- بسببِ طمسِ البصيرةِ؛ لأن نورَ البصيرةِ إذا طُمِسَ من قلبِ الإنسانِ صارَ يرى الباطلَ حَقًّا، والحقَّ باطلاً، والحسنَ قَبِيحًا، والقبيحَ حَسَنًا، والذينَ يعدلونَ عن نورِ اللَّهِ يطلبونَ النورَ في تشريعِ المخلوقين هم في الحقيقةِ- بالكلمةِ التي هي بمعنَى الحرفِ الصحيحِ- هم خفافيشُ البصائرِ، أَعْمَاهُمْ ضوءُ القرآنِ فصاروا يطلبونَ الضياءَ في ظلامِ أفكارِ الكفرةِ الفجرةِ.