للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

عليكم. وعلى قراءةِ (حُرِّم) فالرابطُ هو ضميرُ النائبِ المحذوف أي: ما حُرِّمَ هو عليكم وهذا معنَى قولِه: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} جَرَتِ العادةُ في القرآنِ أن اللَّهَ إذا ذَكَرَ هذه المحرماتِ الأكلِ، أنه يَسْتَثْنِي منها حالةَ الضرورةِ كما قال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} ثم قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: آية ١٧٣] وقال في النحلِ: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١١٥)} [النحل: آية ١١٥].

وقال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ} [المائدة: آية ٣] وقال هنا: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} يعني: أن هذا الذي حَرَّمَهُ عليكم وَفَصَّلَ تحريمَه، إذا أَلْجَأَتْكُمُ الضرورةُ إليه فهو حلالٌ عليكم للضرورةِ؛ لأن الضرورةَ تُبِيحُ المحظوراتِ.

وَمَنْ يَأْتِ الأُمُورَ عَلَى اضْطِرَارٍ ... فَلَيْسَ كَمِثْلِ آتِيهَا اخْتِيَارَا (١)

فالميتةُ حرامٌ بالإجماعِ، ولكنَّ الإنسانَ إذا خَافَ على نفسِه الهلاكَ ولم يَجِدْ إلا الميتةَ أو الخنزيرَ أو ما جرى مجرَى ذلك فإنه يباحُ له ذلك الحرامُ. وقد قَدَّمْنَا في سورةِ البقرةِ كلامَ العلماءِ في الضرورةِ التي تبيحُ الميتةَ، وفي القَدْرِ الذي يُبَاحُ مِنْهَا هل هو ما يَسُدُّ الرمقَ ويمسكُ الحياةَ، أو هو الشبعُ والتزودُ حتى يجدَ غيرَها كما قَدَّمْنَاهُ مُوَضَّحًا (٢).


(١) البيت لسيدي محمد بن الشيخ سيدي من أدباء شنقيط، وهو ضمن قصيدة له مذكورة مع ترجمته في كتاب: الوسيط في تراجم أدباء شنقيط ص٢٤٧.
(٢) انظر: المجموع (٩/ ٣٩)، المغني (١٣/ ٣٣٠)، المحلى (٧/ ٤٢٦)، القرطبي (٢/ ٢٢٥)، الأضواء (١/ ١٠٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>