لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) في هذه السورةِ الكريمةِ - سورةِ الأنعامِ - ما لَاقَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من أذَى المشركين ومن عداوتِهم وعدمِ انقيادِهم إليه - كما قَدَّمْنَا في قولِه:{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} إلى قولِه: {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ}[الأنعام: الآيات ٣٣ - ٣٥] أي: إن استعطتَ ذلك فَافْعَلْ - بَيَّنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآيةِ الكريمةِ أنه ما أرسلَ نَبِيًّا من الأنبياءِ إلا جَعَلَ له أعداءً كفرةً فجرةً من شياطينِ الإنسِ والجنِّ، والقصدُ من هذا تسليةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن ما لُوقِيَ به من العداوةِ إذا كان قد لَاقَاهُ إخوانُه الكرامُ من الرسلِ الكرامِ هوَّن ذلك الأمر عليه، كما قال له:{مَا يُقَالُ لَكَ إِلَاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ}[فصلت: آية ٤٣]{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا}[الأنعام: آية ٣٤]{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}[الأحقاف: آية ٣٥] ونحو ذلك من الآياتِ.
ومعنى الآيةِ الكريمةِ {وَكَذَلِكَ} أي: كما جَعَلْنَا لكَ أعداءً كفرةً من كفارِ قريشٍ يُعَادُونَكَ ويناصبونَك العداوةَ، كذلك الجعل {جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ} من الأنبياءِ قَبْلَكَ {شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} جعلناهم عَدُوًّا للأنبياءِ، وقد نَصَّ اللَّهُ على هذا في الفرقانِ حيث قال: