للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(فعَّل، ويُفَعِّل) من النبأِ، والنبأُ في لغةِ العربِ: أَخَصُّ من الخبرِ؛ لأَنَّ النبأَ لَا يُطْلَقُ إلا على الإخبارِ بشيءٍ له شأنٌ وَخَطْبٌ، تقول: جَاءَنَا نبأُ الأميرِ، ونُبِّئْنَا بخبرِ الأميرِ والجيشِ، ولا تقولُ: جاءنا نبأٌ عن حمارِ الحجامِ؛ لأنَّ هذا لا أهميةَ فيه، فتقولُ فيه: (خبرٌ) ولا تقول: (نَبَأٌ) (١).

فمعنَى {يُنَبِّئُهُم} أي: يُخْبِرُهُمْ خَبَرًا عَظِيمًا عندَهم لَهُ خَطْبٌ وشأنٌ عظيمٌ.

{بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)} (ما) موصولةٌ، والعائدُ محذوفٌ، والمعنَى: بالذي كانوا يعملونَه في دارِ الدنيا. وليس المرادُ بهذه التنبئةِ والإخبارِ مجردَ التنبئةِ فقط، لا وَكَلَاّ، بل المرادُ به: الجزاءُ؛ لأَنَّ كُلَّ إنسانٍ يومَ القيامةِ يُخْبِرُ بجميعِ ما عَمِلَ من جهاتٍ متعددةٍ:

أولاً: تشهدُ على الكافرِ جوارحُه، تشهدُ عليه يدُه ورجلُه وجلدُه، كما يأتي في قولِه: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ} [يس: آية ٦٥] وكقولِه: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} [فصلت: آية ٢٢] وكقولِه: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} [فصلت: آية ٢١] وَيُنَبِّئُهُ ويشهدُ عليه المكانُ؛ لأن البقعةَ من الأرضِ الذي عَمِلَ الإنسانُ عليها المعصيةَ تأتي يومَ القيامةِ وتشهدُ عليه عندَ رَبِّهَا، وتقولُ البقعةُ: إن فلانَ بنَ فلانٍ فَعَلَ عَلَيَّ كذا وكذا في ساعةِ كذا، في يومِ كذا، في شهرِ كذا، في سنةِ كذا، كما يَأْتِي في قولِه: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ}


(١) مضى عند تفسير الآية (٨٩) من سورة الأنعام.

<<  <  ج: ص:  >  >>