وبني حارثةَ (١) يومَ أُحُدٍ: {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} لأن قولَه بعدَه: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا}[آل عمران: آية ١٢٢] يدل على أن ذلك الهَمَّ خَطْرَةُ قلبٍ (٢) مزمومةٌ بالتقوى لَا تُعَدُّ من الذنوبِ. وكان جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ (رضي الله عنهما) من بني سلمةَ، - وبنو سلمةَ وبنو حارثةَ هما الطائفتانِ اللتانِ نَزَلَ فيهما قولُه:{إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} - كان جابرٌ يقول: وَاللَّهِ لا أكرهُ أن اللَّهَ قال فِينَا: {هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} لأنه قال بعدَها: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} فهذه الأخيرةُ تُدَاوِي الأُولَى (٣).
الرابعُ من الأعمالِ: هو التركُ؛ لأن التركَ هو في الحقيقةِ عملٌ يدخلُ صاحبُه به النارَ، ويدخلُ به الجنةَ؛ لأن التركَ فِعْلٌ للنفسِ وَكَفُّهَا وَزَجْرُهَا؛ ولذا الذي تركَ الصلاةَ يُقْتَلُ ويدخلُ النارَ، وهو لم يَفْعَلْ شيئًا إلا أنه تَرَكَ الصلاةَ.
وقد قَدَّمْنَا في سورةِ المائدةِ كلامَ العلماءِ في التركِ هَلْ يُسَمَّى فِعْلاً، أو لَا يُسَمَّى فِعْلاً؟ وَبَيَّنَّا أن التحقيقَ عندَ العلماءِ الذي دَلَّ عليه القرآنُ ولغةُ العربِ: أن التركَ من الأفعالِ، وأنه عملٌ من الأعمالِ يدخلُ صاحبُه به الجنةَ والنارَ (٤)، وكان ابنُ السُّبْكِيُّ (٥) يقولُ في بعضِ
(١) انظر: ابن جرير (٧/ ١٦٥). (٢) انظر: فتح الباري (٧/ ٣٥٧). (٣) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب: {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} حديث رقم: (٤٠٥١)، (٧/ ٣٥٧)، وأخرجه في موضع آخر، انظر حديث رقم: (٤٥٥٨)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل الأنصار (رضي الله تعالى عنهم). حديث رقم: (٢٥٠٥)، (٤/ ١٩٤٨). (٤) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام. (٥) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام.