كذا قالوا واللَّهُ - تعالى - أعلمُ؛ ولذا لِمَا نَوَّهَ بهذه البصائرِ التي هي النعمةُ العظيمةُ:{قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ}[الأنعام: آية ١٠٤] أَمَرَ بِاتِّبَاعِهَا وقال: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}[الأنعام: آية ١٠٦] وهذا الذي أُوحِيَ إليك من ربكَ هو تلك البصائرُ، أي: الْحُجَجُ القاطعاتُ، والأدلةُ الساطعاتُ الواضحاتُ، التي لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا، التي صَرَّفَهَا اللَّهُ في هذا القرآنِ العظيمِ {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ}[الأنعام: آية ١٠٥] كما قال جل وعلا: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ}[الإسراء: آية ٨٩] وهذا معنَى قولِه: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}[الأنعام: آية ١٠٦].
وهذه الآيةُ نَصَّ بأن الذي يجبُ اتِّبَاعُهُ هو الوحيُ، وهو القرآنُ العظيمُ، فلا يجوزُ اتباعُ غيرِه، فَمَنِ اتبعَ تَشْرِيعًا غيرَه فَرَبُّهُ من اتبع تشريعَه، كما بَيَّنَّاهُ مِرَارًا (١)، وكما سيأتِي إيضاحُه مِرَارًا في هذه السورةِ الكريمةِ سورةِ الأنعامِ (٢)؛ لأن التشريعَ إنما هو لخالقِ السماواتِ والأرضِ، كما أنه لَا شريكَ له في عبادتِه: كذلك لا شريكَ له في حُكْمِهِ؛ ولذا قال تعالى في العبادةِ: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)} [الكهف: آية ١١٠] وقال في حُكْمِهِ: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)} [الكهف: آية ٢٦] وفي قراءةِ ابنِ عامرٍ: {وَلَا تُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}(٣)
فالحكمُ لِلَّهِ وحدَه، كما أن العبادةَ له وحدَه، فهو المعبودُ وحدَه (جل وعلا)،
(١) ما سبق عند تفسير الآية (٥٧) , والآية (٩٤) من سورة الأنعام. (٢) انظر ما سيأتي عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام، والآية (١٥٨) من سورة الأعراف، والآيتين (٢٨، ٣١) من سورة التوبة. (٣) انظر: المبسوط لابن مهران، ص٢٧٧ ..