ما تُقَدِّمُ من آياتِ البراهينِ، والحججِ القاطعةِ في هذه السورةِ الكريمةِ.
ومن إطلاقِ البصيرةِ على الدليلِ القاطعِ: قولُه جل وعلا: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف: آية ١٠٨]، أي: على عِلْمٍ ودليلٍ واضحٍ وبرهانٍ قاطعٍ لَا يَتْرُكُ فِي الحقِّ لَبْسًا. ومنه بهذا المعنَى: قولُه تعالى: {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)} [القيامة: الآيتان ١٤، ١٥] معناه: أن الإنسانَ حجةٌ على نفسِه. {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)} قولُه: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)} وجهانِ معروفانِ من التفسيرِ (١):
أحدُهما: أنه لو اعْتَذَرَ كُلَّ الأعذارِ، كما قالوا: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: آية ٢٣] فنفسُه حجةٌ عليه؛ لأن جِلْدَهُ وجوارحَه تَنْطِقُ بما فَعَلَ، كما يأتي في قولِه: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [فصلت: آية ٢٢] وكقولِه: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ} [يس: آية٦٥] فكلامُ أيدِيهم وشهادةُ أَرْجُلِهِمْ هو كونُ الإنسانِ بصيرةً وحجةً على نفسِه، حيث يشهدُ عليه جِلْدُه وأعضاؤُه {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [فصلت: آية ٢١] فعلى هذا: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)} لو أتى بالأعذارِ الكاذبةِ كقولِهم: {حِجْرًا مَّحْجُورًا} [الفرقان: آية ٢٢] {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} [النحل: آية ٢٨] {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: آية ٢٣] فنفسُه منها حجةٌ قاطعةٌ
(١) انظر: ابن جرير (٢٩/ ١٨٤ - ١٨٦)، ابن كثير (٤/ ٤٤٩)، اللسان (مادة: بصر) (١/ ٢١٩ - ٢٢٠).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.