الْعُظْمَى والوقوعِ في جَنَابِ اللَّهِ (جل وعلا) بهذا الأمرِ الهائلِ العظيمِ، فَاللَّهُ مع هذا يستعطفُهم ويتلطفُ بهم للتوبةِ:{أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[المائدة: آية ٧٤] ويأمرُ نَبِيَّهُ أن يخاطبَ الكفرةَ الفجرةَ: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ}[الأنفال: آية ٣٨] وَمِنْ أَصْرَحِ ذلك: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا} هذا خطابٌ مُوَجَّهٌ بخصوصِ الْمُسْرِفِينَ على أنفسِهم دونَ غيرِهم، يقولُ لهم اللَّهُ:{لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}[الزمر: آية ٥٣] فَأَمْرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من خالقِ السماوات والأرض أن يُوَجِّهَ هذا الخطابَ العظيمَ لخصوصِ المسرفين يدلُّ على سَعَةِ رحمةِ اللَّهِ جل وعلا:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا} لم يَقُلْ: «الذين آمنوا»، ولا «الذين أَخْلَصُوا». خَصَّ به المسرفين على أنفسِهم {لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} الآيةَ؛ وَلِذَا قال:{كَتَبَ رَبكُم عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}[الأنعام: آية ٥٤] على قراءةِ مَنْ قَرَأَ: {أَنَّهُ} بفتحِ (أنه) هنا، وهي في هذا الحرفِ قراءةُ ابنِ عامرٍ وعاصمٍ ونافعٍ. فالمصدرُ المنسبكُ من (أن) وصلتِها يُعْرَبُ بدلاً من الرحمةِ (١). والمعنَى: كَتَبَ رَبُّكُمْ على نفسِه الرحمةَ. معنى هذه الرحمةِ: هي غفرانُه لمن عَمِلَ منكم سوءًا. فقولُه:{أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا} مُفسِّرٌ لتلك الرحمةِ مُبَيِّنٌ لها، فهو بدلٌ منها، وعلى قراءةِ مَنْ قَرَأَ:{إِنَّهُ من عمل منكم سوءا} فهو على الاستئنافِ قُطِعَ مِمَّا قَبْلَهُ، وكان مُسْتَأْنَفًا، و (إِنَّ) إذا كانت في ابتداءِ الْجُمَلِ الاستئنافيةِ كُسِرَتْ. والضميرُ في (إنه) ضميرُ الشأنِ.
(١) انظر: القرطبي (٦/ ٤٣٦)، البحر المحيط (٤/ ١٤١)، الدر المصون (٤/ ٦٥٠).