{فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ}[البقرة: آية ١٣٧] أي: في خلاف، ومن المعنى قوله الشاعر (١):
وإلَاّ فاعلْموا أَنَّا وأنتُم ... بغاةٌ ما بقينا في شِقَاقِ
قال بعض العلماء: أصل اشتقاق الشقاق من الشِّق؛ لأن المُتَخَالِفَين المُتَعَادِيَيْن كل منهما يكون في الشق الذي ليس فيه الآخر. فقيل: هو من شقِّ العصا بمعنى الاختلاف، وقيل: هو من المشقة؛ لأن كلاً من المُتَخَالِفَين المُتَعَانِدَين يطلب لصاحبه الإيقاع في المشقات. فمعنى مشاققتهم لله: مخالفتهم لأوامره ونهيه وتكذيبهم رسله، وجعلهم له الأنداد والشركاء. وهذا معنى قوله:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ}[الأنفال: الآية ١٣] وشاقوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، ثم قال:{وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ} الظاهر أن جواب الشرط في قوله: {وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ} محذوف، دل عليه قوله:{فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} والتقدير: من يشاقق الله يعاقبه، فإن الله شديد العقاب لمن عاقب، والشدة: ضد اللين. والعقاب: هو التنكيل على الجريمة. قال بعض العلماء: سُمِّيَ عقابًا؛ لأنه يأتي عقب الذنب من أجله. وهو معروف في كلام العرب، يقولون: عَاقِب هذا عقابًا ومعاقبة؛ أي: نَكِّل به؛ لأنه عصاك أو أَجْرَمَ إليك. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان يخاطب النعمان بن المنذر (٢):
ومن عصاكَ فعاقِبْهُ مُعَاقَبَةً ... تَنْهى الظلومَ ولا تَقعُد على ضَمِدِ
(١) البيت لبشر بن أبي خازم، وهو في الدر المصون (٤/ ٢٧٦). (٢) مضى هذا الشاهد عند تفسير الآية (١٦٧) من سورة الأعراف.