وهذا معنى قوله:{وَلَوْ شِئْنَا} رفعه بها {لَرَفَعْنَاهُ} لو شئنا رفع هذا الذي آتيناه آياتنا بتلك الآيات لوفقناه للعمل بها فعمل بها حتى مات عليها فكان مرفوع الدرجة رفيع الذكر في الدنيا والآخرة.
{وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ معناه: ركن ومال إلى لَذَّاتِ الدّنْيَا وحطامها وشهواتها فآثَرَها على آيات الله فسَلَخَهُ الله من آياته (والعياذ بالله). والعرب تقول: أخلد إلى الشيء: إذا رَكَنَ ومَالَ إلَيْهِ، وأصل الإخلاد: هو ملازمة الشيء والدوام فيه. فالعرب تقول: أخلد بهذا المكان: إذا لازَمَهُ ودَامَ فِيه، وهو معنى معروف في كلامها (١)، ومنه قول زهير بن أبي سُلمى (٢):
لِمَنِ الدِّيَارُ غَشَيْتُهَا بِالْفَدْفَدِ ... كَالْوَحْي في حَجَرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ
أي: اللازم محله. وهذا معنى قوله:{وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} الهوى بفتحتين: مَيلُ النفس، ولا يكاد يطلق إلا على ميلها لما لا ينبغي، وقد يُطلق في غير ذلك (٣). واتباع الهوى (والعياذ بالله) هو أعظم الآفات.
ثم إن الله ضربه مثلاً قال:{فَمَثَلُهُ} أي: فصفته (والعياذ بالله) في خساسته وقبحه وملازمته الخساسة في جميع الأحوال {كَمَثَلِ الْكَلْبِ} وهو الحيوان المعروف. وجملة:{إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} جملة شرطية، وهي في محل نصب في موضع الحال على ما حَقَّقَهُ بَعْض علماء العربية مِنْ أَنَّهُ لا مَانِعَ مِنْ
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٢٧٠). (٢) مضى عند تفسير الآية (١٦٠) من سورة الأعراف. (٣) مضى عند تفسير الآية (٥٦) من سورة الأنعام.