وَلَمَّا كان يكثرُ في لغةِ العربِ [إطلاقُ](٢) الطيرانِ على الإسراعِ بِالرِّجْلَيْنِ، قد يكونُ لقولِه:{بِجَنَاحَيْهِ} فائدةٌ؛ لتُخْرَجَ مِنَ الإسراعِ بغيرِ الجناحين كما ذَكَرْنَا. وكان بعضُ العلماءِ يقولُ: قد يكونُ بعضُ ما يطيرُ يطيرُ بأكثرَ مِنْ جَنَاحَيْنِ، كما قال في الملائكةِ:{جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}[فاطر: آية ١] قالوا: هنالك من الملائكةِ مَنْ يطيرُ بأربعةِ أجنحةٍ؛ وَلِذَا احتُرزَ عن ذلك بقوله:{بِجَنَاحَيْهِ}.
وَأَظْهَرُ الأقوالِ هو ما صَدَّرْنَا به: أن هذا الأسلوبَ معروفٌ في كلامِ العربِ، كقوله:«قَالَهُ لِي بِفِيهِ»، و «مشى إِلَيَّ بِرِجْلِهِ»، و «كتبتُ له بِيَدِي»، و «طارَ الطائرُ بِجَنَاحَيْهِ»، ومنه:{يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}[البقرة: آية ٧٩]{يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم}[آل عمران: آية ١٦٧] وما جرى مَجْرَى ذلك و {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} في قولِه:
(١) البيت الأول تقدم عند تفسير الآية (٣٦) من سورة الأنعام، والبيت الثاني ذكره ابن جني في المحتسب (١/ ٢٠٦) وهو أيضا في الدر المصون (٤/ ٢٤٤). (٢) زيادة يقتضيها السياق.