للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

العذاب (١)، ولا شك أن الرجل المسلم إذا خُيّر بين أن يقبض الله ابنته إليه ويسترها برحمته وعفوه، وبين أن تبقى تحت يد الكفرة الفجرة يفعلون بها ما يشاءون من الفواحش والعار والعيب والشنار، ويُعملونها بالأعمال الشاقة والخدمة العظيمة والإهانة، أنه يختار لها ما عند الله، أنها تصير إلى الله، وأن بقاءها بعده فيه تعذيب لقلبه، حتى إن الإنسان إذا كانت بناته بعده تجوع أو تعرى يألم من ذلك ويحزن كما قال الحماسي (٢):

لقد زَادَ الحياةَ إلي حُبًّا ... بناتي، أنهن من الضِّعَافِ ...

فأكره أن يَرَيْنَ البُؤسَ بعدي ... وأنْ يشربن كدرًا بعد صافي

ولا سيما التعذيب والفواحش ونحو ذلك والعياذ بالله، وهذا معنى قوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)} الإشارة في قوله: {ذَلِكُم} مرجعها فيه وجهان معروفان (٣):

أحدهما: أنها راجعة إلى الإنجاء: أنجيناكم وفي ذلك الإنجاء بلاء، أي: بلاء بالنعمة من الله عظيم عليكم.

القول الثاني: أن الإشارة في قوله: {ذَلِكُم} راجعة إلى ما يسومهم من سوء العذاب من تقتيل الأبناء، وعليه فقوله: {بَلَاءٌ}


(١) السابق.
(٢) البيتان لعمران بن حطان، وقيل لعيسى بن فاتك، أو محمد بن عبد الله الأزدي، أو لأبي خالد القناني. وهما في تاريخ دمشق (٤٣/ ٥٠٠)، عيون الأخبار (٣/ ٩٧)، الكامل ص١٠٨٢، وطرف البيت الثاني: «مخافة ... »، وشطره الثاني: «وأن يشربن رَنْقًا ... ».
(٣) انظر: القرطبي (١/ ٣٨٧)، الدر المصون (١/ ٣٤٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>