نواهيه. وقد قدمنا مرارًا في هذه الدروس (١) أن المتقي اسم فاعل الاتقاء، وأن (الاتقاء) في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناه: اتخاذ الوقاية. تقول مثلاً: اتقيت الرمضاء بنعلي، والسيوف بمِجَنِّي. وكل شيء جعلت بينه وبينك وقاية فقد اتقيته، ومنه قول نابغة ذبيان (٢):
سَقَطَ النَّصِيْفُ ولم تُرِدْ إسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ واتْقَتْنَا بِالْيَدِ
أي: جعلت يدها وقاية بيننا وبين وجهها لئلا نراه.
وأصل مادة التقوى من (وقي) ففاؤها واو، وعينها قاف، ولامها ياء (٣). فهي مما يسميه الصرفيون: لفيفًا مفروقًا (٤)، هذا أصلها.
والاتقاء: اتخاذ الوقاية، والاتقاء في الشرع: هو اتخاذ الوقاية التي تقي سخط الله وعذابه، وهذه الوقاية التي تقي الإنسان سخط ربه وعذابه هي امتثال أمره واجتناب نهيه (جل وعلا). فالاتقاء: امتثال الأمر واجتناب النهي، وهو اتخاذ الوقاية التي تقي سخط الله وعذابه، وهذا معنى قوله:{وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[الأعراف: آية ١٢٨].
لما هدَّأ موسى قومه، وأمرهم بالصبر، وأشار لهم إلى وعد الله، وأن العاقبة لمن اتقى الله وهم المؤمنون لا الكافرون قال له قومه:{أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا}[الأعراف: آية ١٢٩] حُذف الفاعل هنا وهو معروف، أي: آذانا فرعون وقومه من قبل أن تأتينا من مدين
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة البقرة. (٢) مضى عد تفسير الآية (٤٨) من سورة البقرة. (٣) السابق. (٤) لأن حروف العلة غير متوالية فيه، بخلاف اللفيف المقرون.