الْمُؤْمِنِينَ (٥١)} [الشعراء: آية ٥١] فالمؤمن الحق إذا علم ما عند الله من النعيم والثواب هان وصغر في عينه كل عذاب وبلاء في الدنيا، كما قالوا لفرعون:{فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}[طه: آية ٧٢] أي: وليس فيها شيء يهم [لسرعة زوالها](١) وانقضائها. فهذا معنى قوله:{إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ}[الأعراف: آية ١٢٥].
هذا الانقلاب ينقلب به كل أحد كائنًا ما كان، فينبغي لكل إنسان أن يُحسِّن منقلبه إلى الله؛ لأن الله يقول:{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}[الشعراء: آية ٢٢٧] فمعنى: {مُنقَلِبُونَ} أنهم يموتون فيبعثون فيُقلبون إلى الله، يرجعون إليه فيجازيهم، هذا معنى قوله: {قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (١٢٥)} [الأعراف: آية ١٢٥].
ثم بيّنوا لفرعون أنه ظالم لهم وليس لهم ذنب يعيبهم به ولا يعذبهم لأجله، وقالوا:{وَمَا تَنقِمُ مِنَّا} العرب تقول: (ما تنقم مني)؟ معناه: ما تعيب مني وما تَنْتَقِدُ مِنيِّ؟ وأقوال علماء التفسير متقاربة (٢)، كلها راجعة إلى شيء واحد، فبعضهم يقول:{وَمَا تَنقِمُ} ما تعيب منا؟ ما تُنكر منا؟ ما تكره منا؟ ونحو ذلك، فهي أقوال معروفة، والعرب تقول: نقم عليّ فلان كذا ونَقِمَهُ. أي: انتقده وأنكره عليَّ وكرهه مني. فكأنهم يقولون لفرعون: ما تعيب وتكرهه منا وتنكره حتى تجعله سببًا لتعذيبنا إلا أعظم الأشياء وأحسنها وأشدها استجلابًا للمودة والمحبة، فهو الإيمان بالله أي:{إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا} يعني: ما تعيب علينا شيئًا ولا تكره منّا شيئًا فعلناه
(١) في الأصل: «لزوال سرعتها». وهو سبق لسان. (٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٣٥)، القرطبي (٧/ ٢٦١).