للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ومعنى قوله: {مِّنْ خِلَافٍ} أي: من جهتين مختلفتين بأن يقطع اليد اليمنى من شِق فيضعف ذلك الشِّق باليد [ويقطع] (١) الرجل اليسرى من الشق الآخر فيكون كل من الشّقين قد ضعف.

{ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} لم يبيّن هنا في الأعراف ولا في الشعراء ماذا الذي يصلبهم عليه، وقد بيّن في سورة طه أنه يصلبهم في جذوع النخل (٢) كما قال: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه: آية ٧] وجذع النخل هو أخشن جذع من جذوع الشجر خلقه الله -جل وعلا- وأصعب على المصلوب الصلب عليه. وعلماء البلاغة يقولون: إن قوله: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: آية ٧١] فيه ما يسمونه (استعارة تبعية) في معنى مُتَعَلَّق الحرف (٣). والأظهر أنه أسلوب عربي معروف، فالعرب تقول: صلبه على الجذع، وصلبه فيه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومن قولهم: «صلبه في الجذع» قول الشاعر (٤):

همو صلبوا العَبْديَّ في جِذْعِ نخْلةٍ ... فلا عطستْ شيبانُ إلا بأَجْدَعَا

وهذا معنى قوله: {ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: آية ١٢٤] لأصلبنكم في جذوع النخل أجمعين.

وهذا يدل على أن أولياء الله يُمتحنون دائمًا في الله، فخير ما تكون به المحنة: المحنة في الله، فعلى المسلم إذا بُلي في دينه


(١) في الأصل: «ويضعف». وهو سبق لسان.
(٢) انظر: الأضواء (٢/ ٣٣٠).
(٣) انظر: جواهر البلاغة ص٢٤٨.
(٤) البيت في اللسان (مادة: فيا) (٢/ ١١٥٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>