وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (١): أن الظلم في لغة العرب هو: وضع الشيء في غير موضعه فكل من وضع شيئًا في غير موضعه فقد ظلم، وأكبر أنواع وضع الشيء في غير موضعه: وضع العبادة في غير من خلق، ثم يليه: وضع الطاعة في الشيطان دون الله (جل وعلا)، والعرب كلُّ من وضع شيئًا في غير موضعه تقول له: ظَلَم. ومن هذا المعنى قالوا للذي يضرب لبنه قبل أن يروب: إنه ظالم؛ لأن الضرب وقع في غير موضعه؛ لأنه يُضيع زُبده؛ ولذا كانوا يُسمّون الذي يضرب [لبنه](٢) قبل أن يروب: ظالمًا، ففي لُغَز الحريري يقول:«هل يجوز أن يكون الحاكم ظالمًا؟ قال: نعم إذا كان عالمًا»(٣). فقوله:«ظالمًا» يعني: يضرب لبنه قبل أن يروب، وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (٤):
وقائلةٍ ظلمتُ لكم سِقَائي ... وهل يخفى على العَكدِ الظَّلِيمُ
وقول الآخر (٥):
وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرُبْنِي شَكَاتُه ... ظلمتُ وفي ظَلْمي له عامِدًا أَجْرُ
فهذا معروف في كلام العرب بكثرة، ومنه قيل لمن وضع شيئًا في غير موضعه:(ظالم)؛ ولذا سَمّوا الحُفَرَ في الأرض التي ليست محلاً للحفر والماء:(مظلومة)، ومنه قول نابغة ذبيان (٦):
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة .. (٢) في الأصل: (زبده) وهو سبق لسان. (٣) مضى عند تفسير الآية (١٢٩) من سورة الأنعام. (٤) السابق. (٥) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة. (٦) السابق.