أحدُها: زيادةُ (مِنْ) قَبْلَ النكرةِ التي هي مبتدأٌ، كما في قولِه هنا:{مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} الأصلُ: (ما لكم إله غيره) مبتدأٌ سَوَّغَ الابتداءَ به النفيُ، وَجَرَّتْهُ (مِنْ) هنا. فدخولُ (من) على النكرةِ التي هي مبتدأٌ لتوكيدِ العمومِ مطردٌ في اللغةِ العربيةِ.
الثاني: دخولُ (من) على النكرةِ إن كانت فَاعِلاً، نحو:{مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ}[القصص: آية ٤٦]{مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ}[المائدة: آية ١٩].
وقولُه:{غَيْرُهُ} إنما رُفِعَ (غيرُه) مع أن المنعوتَ مجرورٌ بـ (من) لأَنَّهُ في محلِّ رَفْعٍ، أصلُه مرفوعٌ مبتدأٌ، فَرُوعِيَ في نعتِه محلُّه؛ ولذا قيل:{غَيْرُهُ} مراعاةً للمحلِّ كما هو معروفٌ. أي: ما لكم إله سواه.
ثم قال نبيُّ اللهِ شعيبٌ:{قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}[الأعراف: آية ٨٥](قد) هنا حرفُ تحقيقٍ لمجيءِ البينةِ، ولا شكَّ أن المرادَ بالبينةِ في هذه الآيةِ: المعجزةُ التي تُثْبِتُ صدقَ شعيبٍ وَتُوجِبُ الإيمانَ بما جاء به. وَالْبَيِّنَةُ: هي الحجةُ الواضحةُ التي لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا، وهي هنا: المعجزةُ بلا نزاعٍ إلا مَنْ شَذَّ، فمعنَى:{قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ} أي: جاءتكم معجزةٌ من اللهِ عرفتموها وَعَايَنْتُمُوهَا على أَنِّي رسولُ اللَّهِ. وهذه البينةُ التي جاءهم