للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

أتكفرونَ بالله فلا تَتَّقُونَهُ، فلا تتخذونَ بينَكم وبينَه وقايةً تَقِيكُمْ من سخطِه وعذابِه، هي امتثالُ أمرِه واجتنابُ نَهْيِهِ. وكان رَدُّ الكفارِ مُتَشَابِهًا لِتَشَابُهِ قلوبِهم في الكفرِ، كما قال تعالى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: آية ١١٨] فقومُ نوحٍ قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ} [الأعراف: آية ٦٠] وقوم هود قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} [الأعراف: آية ٦٦] والسفاهةُ: (فَعَالة) من السَّفَهِ، وأصلُ السفهِ في لغةِ العربِ هو: الخفةُ والطيشُ، فكلُّ شيءٍ خفيف طائش تُسَمِّيهِ العربُ سفهًا (١). وتقولُ العربُ: تَسَفَّهَتِ الريحُ الريشةَ إذا اسْتَخَفَّتْهَا فطارت بها كُلَّ مَطَارٍ. وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (٢):

مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعَالِيَهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّواسِمِ

معنَى (تسفهت أعاليها) أي: اسْتَخَفَّتْهَا فَهَزَّتْهَا. هذا أصلُ معنَى السَّفَهِ في لغةِ العربِ.

وهو في الاصطلاحِ المشهورِ: هي خفةُ العقلِ وطيشُ الْحِلْمِ، بحيث يكونُ السفيهُ لا يهتدي إلى مصالِحه، ولا يعرفُ مضارَّه من مصالِحه، لا يميزُ بينَ الضارِّ والنافعِ، ولا الحسنِ ولَا القبيحِ لِخِفَّةِ عقلِه وطيشِه وعدمِ رجاحتِه (٣)؛ ولذا كان السفيهُ يجبُ التحجيرُ عليه، وجَعْلُ مالِه تحتَ يَدَيْ وَلِيٍّ يحفظُ له مالَه؛ لأن عقلَه الطائشَ وَحِلْمَهُ الخفيفَ يجعلُه يُضَيِّعُ مالَه.


(١) انظر: المفردات (مادة: سفه) ص٤١٤.
(٢) البيت لذي الرمة. وهو في القرطبي (١/ ٢٠٥)، (٧/ ٢٣٦).
(٣) انظر: الكليات (٣٤٩، ٥١٠)، القاموس الفقهي ص١٧٣ - ١٧٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>