والذين يقولونَ: إن رحمةَ اللَّهِ هي رحمتُه لعبدِه في الآخرةِ، يقولونَ: إن الإنسانَ كُلَّ يوم يقربُ من الآخرةِ ويبعدُ من الدنيا؛ لأن ما أَمَامَكَ قريبٌ وما وراءَك بعيدٌ، كما قال الحطيئةُ أو غيرُه (١):
فَكَأَنَّ الإنسانَ كُلَّ يومٍ يقربُ من الآخرةِ ويبعدُ من الدنيا؛ لأن ما يستقبلُه الإنسانُ يتقربُ إليه دائمًا، وما يَسْتَدْبِرُهُ يتباعدُ منه دائمًا، والآخرةُ قريبٌ جِدًّا، كما قال:{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} وهذا معنى قوله: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}.
والذين يقولونَ: إن رحمةَ اللَّهِ قريبةٌ من عبادِه المحسنين بحصولِها لهم في الدنيا والآخرةِ؛ لأنه في الدنيا يرحمُهم بالتوفيقِ إلى الأعمالِ الصالحةِ وبالعملِ بما يرضيه، كما قال جل وعلا:{إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}[النحل: آية ٧]{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}[الأحزاب: آية ٤٣] فَبَيَّنَ أنه بالمؤمنين رحيمٌ، يرحمهم بالدنيا بما يُيَسِّرُ لهم من التوفيقِ إلى ما يُرْضِيهِ، ويرحمُهم في الآخرةِ بالإدخالِ في دارِ كرامتِه. وهذا معنَى قولِه:{إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}.
(١) البيت للحطيئة، وهو في الأمالي (٢/ ٢٠٢)، الآداب الشرعية (٣/ ٣٠٧)، شعر الدعوة الإسلامية ص٥١٧، وبين البيتين بيت آخر وهو قوله: وتقوى الله خير الزاد ذُخرا ... وعند الله للأتقى مزيدُ