ذلك الأمرَ فَمَصِيرُنَا إلى النارِ. وهذا معنَى قولِهم:{قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ}[الأعراف: آية ٥٣] وَتَمَنَّوُا الشفاعةَ حيثُ لَا شفاعةَ.
ثم قالوا:{فَهَل لَّنَا مِنْ شُفَعَاءَ}[الأعراف: آية ٥٣] جمعُ شفيعٍ و (هل) هنا لِلتَّمَنِّي، يتمنونَ الشفعاءَ:{فَيَشْفَعُوا لَنَا}[الأعراف: آية ٥٣] وَيُخْرِجُونَا مِمَّا نحن فيه: {أَوْ نُرَدُّ}[الأعراف: آية ٥٣] أو هل لنا أن نُرَدَّ إلى دارِ الدنيا لنبدلَ تكذيبَ الرسلِ بالتصديقِ، ونبدلَ المعاصيَ بالطاعاتِ؟ وهو معنَى قولِهم:{فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}[الأعراف: آية ٥٣] بَيَّنَ اللَّهُ أنهم لَا يجدونَ الشفعاءَ وَلَا يُرَدُّونَ وقال: {قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}[الأعراف: آية ٥٣] خَسِرُوا أنفسَهم - والعياذُ بالله - لأنهم غُبِنُوا في أنفسِهم وَرُزِئُوا فيها.
والدليلُ على خُسْرَانِهِمْ أنفسَهم: أن غايةَ أمنيتِهم أن تعدمَ أنفسُهم ويموتوا ولكن لا يجدونَ: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (٧٧)} [الزخرف: آية ٧٧] وهذا معنَى خسرانهم أنفسَهم لأنهم رُزِئُوا في أنفسِهم فَبَاعُوهَا - والعياذُ بالله - بعرضٍ من الدنيا، وَصَارَتْ إلى العذابِ المخلدِ إلى يومِ القيامةِ.
وقولُه:{وَضَلَّ عَنْهُم}[الأعراف: آية ٥٣] غَابَ وَاضْمَحَلَّ ما كان يفترونَه في دارِ الدنيا من أن الأصنامَ تشفعُ لهم، كقولِهم:{هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}[يونس: آية ١٨]{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}[الزمر: آية ٣] ومعنَى: {يَفْتَرُونَ} يَخْتَلِقُونَ مِنَ الْكَذِبِ.