ثم قال جلَّ وعلا:{كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً}{ادَّارَكُواْ} أصله: تداركوا. والمعروف في علم العربية أن (تفاعل) و (تفعَّل) يكثر فيهما الإدغام واستجلاب همزة الوصل عند الإدغام (١). فقوله:{ادَّارَكُواْ} أصله (تداركوا){مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ}[التوبة: آية ٣٨] أصله (تثاقلتم){فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا}[البقرة: آية ٧٢] أصله (فتدارءتم). وكذلك في (تفعَّل) كقوله: {وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا}[يونس: آية ٢٤] أصله (تزينت){قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ}[النمل: آية ٤٧] أصله: (تطيرنا) وهذا الإدغام معروف في كلام العرب، ومثله في (تفاعل) كما هنا قول الشاعر (٢):
تُولي الضَّجِيعَ إذا ما الْتَذَّهَا خَصِرَا ... عذبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ
يعني: إذا ما تتابع القُبَلُ. {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} أي: تلاحقوا وأدرك الآخِرُ الأول واجتمعوا في النار جميعاً - والعياذ بالله، أعاذنا الله منها ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل - شكا عند ذلك الوقت الأتباع الضعفاءُ رؤساءهم المتبوعين وقالوا لهم- أي لأجلهم؛ لأنهم يخاطبون الله ولا يخاطبون الرؤساء المتبوعين، قالوا يشكونهم لله (جلَّ وعلا)، ويطلبونه أن يزيد عليهم العذاب لإضلالهم إياهم-: {رَبَّنَا} معناه: يا ربنا، يا خالقنا وسيدنا ومدبر أمورنا، {هَؤُلَاءِ} الرؤساء من قادة الكفرة {أَضَلُّونَا} هم الذين أضلونا عن طريق الصَّواب، ومنعونا من اتباع الرسل ومن طاعتك وامتثال أمرك، فقد
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٩٦)، الدر المصون (١/ ٤٣٤)، (٥/ ٣١٣)، وراجع ما مضى عند تفسير الآية (٧٢) من سورة البقرة. (٢) مضى هذا الشاهد عند تفسير الآية (٧٢) من سورة البقرة.