عنهما) أنه قال:«إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»(١) وهذا كأنه عُذب بفعل غيره، والحديث ثابت في الصحيح، وتكذيب عائشة لابن عمر في هذا الحديث -توهيمها له، وأنه غَلِطَ نظراً لهذه الآيات- غلَطٌ منها هي (رضي الله عنها)، والصواب مع ابن عمر؛ لأنه حافظ سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - غير شاك ولا متوهم (٢).
فهذان سؤالان: لِمَ وجبت الدية على العاقلة وهي من فعل غيرها؟ ولِمَ عُذِّب الميت ببكاء أهله وهو من فعل غيرِهِ؟
والعلماء أجابوا عن هذا بأجوبة، قالوا (٣): أما العاقلة: فإن الإنسان القاتل خطأ لا ذنب عليه؛ لأنه لا يقصد شيئاً ولا مؤاخذة عليه عند الله إجماعاً؛ لأن الله يقول:{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}[الأحزاب: آية ٥] ويقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَئاً}[النساء: آية ٩٢] والكفارة التي وجبت عليه قال بعض العلماء: إنما هي مؤاخذة لعدم شدة التحفظ والتحرز أولاً والتسبب في عدم وقوع الخطأ، أما بعد وقوع
(١) البخاري في الجنائز، باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» إذا كان النوح من سنته، حديث رقم: (١٢٨٦)، (٣/ ١٥١ - ١٥٢)، وطرفه في: (١٢٨٧ - ١٢٩٠، ١٢٩٢، ٣٩٧٨). ومسلم في الجنائز، باب: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، حديث رقم: (٩٢٨) (٢/ ٦٤٠)، وانظر الأحاديث الأُخرى التي أخرجها في الباب نفسه. (٢) انظر: فتح الباري (٣/ ١٥٤)، الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ص (٦٧). (٣) انظر: المغني (٩/ ٤٨٩)، فتح الباري (٢/ ٢٤٦).