إبْرَاهِيمَ من كل شرك ماض؛ لأن الله نَفَى كَوْنَ الشرك الماضي عنه، وهو يستغرق ماضي الزمن إلى الأزل، ولكن ماذا تقولون في قوله:{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي}[الأنعام: آية ٧٦]؟
والجواب: قَرَّرْنَاهُ في محلِّهِ مِنْ هَذِهِ السورة (١)، وسنُلم بنموذج قليل منه، منه: أن هذا إنما قاله نبي الله إبراهيم على سبيل التنازل الجدلي، ليمكنه إفحام خصمه؛ لأن من أمهات الجدل أن تُسلم الكذب المحض لخصمك ليمكنك إفحامه؛ لأن إبراهيم لو قال أولاً: الكوكب لا يمكن أن يكون ربّاً. لقالوا: أنت رجل جاهل كذاب، الكوكب رب، ولم يحصل شيء، فكأنه قال: سلمنا على زعمكم الكافر الكاذب الباطل، هذا ربي! أي: على زعمكم الكافر الملحد الفاجر، فَلِمَ يأفل؟ وكيف يأفل الرب ويسقط؟! ولذا قال:{لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} فلو لم يتنازل ويُسلمهم التسليم الجدلي ويقل لهم: هذا ربي؛ أي: فرضاً على كُفْرِكُمْ وقَوْلِكُم البَاطِل، لو لم يتنازل هذا التنازل لما أمكنه إفحامهم كما يقول الله:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا}[الأنبياء: آية ٢٢]{لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَّابْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً}[الإسراء: آية ٤٢] أي: لو كان ربًّا لما كان آفلًا! ولو لم يُظهر لهم بعض الموافقة للكذب الباطل لما أمْكَنَهُ إفْحَامُهُم.
والوجه الثاني: أن همزة (٢) الاستفهام الإنكاري محذوفة دل المقام عليها، والأصل: أهذا ربي؟! وهمزة الاستفهام إذا دل المقام
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٦) من هذه السورة. (٢) السابق.