دَلِيلًا أَقْوَى مِنْهُ فَإِنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا يُنَاقِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَإِنَّمَا التَّنَاقُضُ مِنْ الْجَهْلِ الْمَحْضِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الِاتِّصَالُ بِوُجُودِ الشَّرَائِطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الرَّاوِي فَحَيْثُ عُدِمَ بَعْضِهَا لَا يَثْبُتُ الِاتِّصَالُ (فَكَخَبَرِ الْمَسْتُورِ إلَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمَجْهُولِ وَخَبَرِ الْفَاسِقِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ خَبَرِ الْمَسْتُورِ (وَالْمَعْتُوهِ) وَسَيَأْتِي مَعْنَاهُ فِي فَصْلِ الْعَوَارِضِ. (وَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ وَالْمُغَفَّلِ الشَّدِيدِ الْغَفْلَةِ لَا مَنْ غَالِبُ حَالِهِ التَّيَقُّظُ وَالْمُسَاهِلِ) أَيْ: الْمُجَازِفِ الَّذِي لَا يُبَالِي مِنْ السَّهْوِ وَالْخَطَأِ وَالتَّزْوِيرِ وَصَاحِبِ الْهَوَى (فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ لِلشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ) أَيْ: لِاشْتِرَاطِ الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الرَّاوِي.
(فَصْلٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ) أَيْ: الْحَادِثَةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْخَبَرُ (وَهُوَ إمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ إمَّا الْعِبَادَاتُ أَوْ الْعُقُوبَاتُ. وَالْأُولَى تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ الدِّيَانَاتِ كَالْإِخْبَارِ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ فَكَذَا) أَيْ: يَثْبُتُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ بِالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ أَيْ: إذَا أَخْبَرَ الْوَاحِدُ الْعَدْلُ أَنَّ هَذَا الْمَاءَ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ يُقْبَلُ خَبَرُهُ ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَنْ قَوْلِهِ: فَكَذَا بِقَوْلِهِ: (لَكِنْ إنْ أَخْبَرَ بِهَا الْفَاسِقُ أَوْ الْمَسْتُورُ يُتَحَرَّى؛ لِأَنَّ هَذَا) إشَارَةٌ
ــ
[التلويح]
الدَّوَاعِي، وَعُمُومِ حَاجَةِ الْكُلِّ إلَيْهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً حَتَّى يُرَدَّ الْخَبَرُ بِمُعَارَضَتِهَا نَعَمْ الْأَصْلُ هُوَ الِاشْتِهَارُ لَكِنْ رُبَّ أَصْلٍ قَلَعَهُ الْحَدِيثُ، وَأَيْضًا لَيْسَ وُجُوبُ التَّبْلِيغِ أَنْ يُبَلِّغَ كُلُّ وَاحِدٍ كُلَّ حَدِيثٍ إلَى كُلِّ أَحَدٍ بَلْ عَدَمُ الْإِخْفَاءِ وَلِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: ٤٣] ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ قَبِيلِ الْمَشْهُورِ حَتَّى إنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ احْتَجُّوا بِهِ عَلَى مِثْلِ مُعَاوِيَةَ وَرَدُّوهُ عَنْ تَرْكِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ اضْطَرَبَتْ رِوَايَاتُهُ فِيهِ بِسَبَبِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُبَالِغُ فِي الْجَهْرِ وَحَاوَلَ مُعَاوِيَةُ وَبَنُو أُمَيَّةَ مَحْوَ آثَارِهِ فَبَالَغُوا عَلَى التَّرْكِ فَخَافَ أَنَسٌ وَرُوِيَ الْجَهْرُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ تَرْكَ الْجَهْرِ نَفْيٌ، وَالْجَهْرُ إثْبَاتٌ فَرُبَّمَا لَا يَسْمَعُهُ الرَّاوِي لَا سِيَّمَا مِثْلُ أَنَسٍ، وَقَدْ كَانَ يَقِفُ خَلْفَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَبْعَدَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي سَمَاعَهُ الْفَاتِحَةَ عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ، وَأَيْضًا رُوِيَ أَنَّ أَنَسًا سُئِلَ عَنْ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ فَقَالَ: لَا أَدْرِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَالسَّبَبُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ انْقِطَاعُ الْخَبَرِ بِالْمُعَارَضَةِ بِسَبَبِ إعْرَاضِ الصَّحَابَةِ؛ فَلِأَنَّهُ يُعَارِضُ إجْمَاعَهُمْ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ، وَعَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَهْوٌ أَوْ مَنْسُوخٌ. لَا يُقَالُ لَا إجْمَاعَ مَعَ مُخَالَفَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَيْفَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ يُعْتَبَرُ بِحَالِ الرِّجَالِ مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَرَاوِي الْحَدِيثِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَرْكِ الْحُكْمِ بَلْ عَدَمَ التَّمَسُّكِ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.