النَّاسِ الْمَحْذُوفُ بِالْمُقْتَضَى، وَلَا يَعْرِفُونَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فَيُعْطُونَ أَحَدَهُمَا حُكْمَ الْآخَرِ، وَيَغْلَطُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَإِنْ تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ الْمَحْذُوفَ يَصِيرُ قِسْمًا خَامِسًا بَعْدَ الْعِبَارَةِ، وَالْإِشَارَةِ، وَالدَّلَالَةِ، وَالِاقْتِضَاءِ فَيَبْطُلُ الْحَصْرُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهَذَا وَهْمٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَنَا بِاللَّفْظِ الدَّالِ عَلَى الْمَعْنَى فِي مَوْرِدِ الْقِسْمَةِ اللَّفْظُ إمَّا حَقِيقَةً وَإِمَّا تَقْدِيرًا، وَكُلُّ مَا هُوَ مَحْذُوفٌ فَهُوَ غَيْرُ مَلْفُوظٍ لَكِنَّهُ ثَابِتٌ لُغَةً فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَلْفُوظِ فَيَكُونُ اللَّفْظُ الْمَنْطُوقُ دَالًّا عَلَى اللَّفْظِ الْمَحْذُوفِ، ثُمَّ اللَّفْظُ الْمَحْذُوفُ دَالٌّ عَلَى مَعْنَاهُ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ فَالدَّلَالَةُ الْمُنْقَسِمَةُ عَلَى الْأَرْبَعِ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى أَمَّا دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى لَفْظٍ آخَرَ فَلَيْسَتْ مِنْ بَابِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى
(فَصْلٌ اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُونَ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ عَلَى خِلَافِ مَا ثَبَتَ فِي الْمَنْطُوقِ، وَشَرْطُهُ) أَيْ، وَشَرْطُهُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ (أَنْ لَا تَظْهَرَ أَوْلَوِيَّتُهُ) أَيْ أَوْلَوِيَّةُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ مِنْ الْمَنْطُوقِ بِالْحُكْمِ الثَّابِتِ لِلْمَنْطُوقِ (وَلَا مُسَاوَاتُهُ إيَّاهُ) أَيْ مُسَاوَاةُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ الْمَنْطُوقَ فِي الْحُكْمِ الثَّابِتِ لِلْمَنْطُوقِ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ أَوْلَوِيَّةُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ أَوْ مُسَاوَاتُهُ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ الَّذِي وَرَدَ فِي الْمَنْطُوقِ أَوْ بِقِيَاسِهِ عَلَيْهِ (وَلَا يَخْرُجُ) أَيْ الْمَنْطُوقُ (مَخْرَجَ الْعَادَةِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى {وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: ٢٣] حَرَّمَ الرَّبَائِبَ عَلَى أَزْوَاجِ الْأُمَّهَاتِ، وَوُصِفْنَ بِكَوْنِهِنَّ فِي
ــ
[التلويح]
عَنْهُ مُخَالِفًا لَهُ فِيهِ، وَشَرَطُوا لِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ الشَّرَائِطَ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا، وَقَالَ فِي آخِرِ ذِكْرِ الشَّرَائِطِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَنْطُوقِ بِالذِّكْرِ فَعُلِمَ أَنَّ شَرْطَ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنْ لَا يَظْهَرَ لِتَخْصِيصِ الْمَنْطُوقِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ غَيْرُ نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَالْمُصَنِّفُ حَصَرَ الشَّرَائِطَ فِي الْمَعْدُودَاتِ، وَسَكَتَ عَنْ تَعْمِيمِهَا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى دَلِيلِهِمْ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ وَالشَّرْطِ بِإِيرَادِ صُوَرٍ تُوجَدُ فِيهَا الشَّرَائِطُ الْمَعْدُودَةُ مَعَ عَدَمِ نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ أَنْ لَا يُظْهِرَ أَوْلَوِيَّتَهُ، وَلَا مُسَاوَاتَهُ) حَتَّى لَوْ ظَهَرَ أَحَدُهُمَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ ثَابِتًا بِدَلَالَةِ النَّصِّ، أَيْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ أَوْ بِالْقِيَاسِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ، أَيْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ فِي صُورَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَبِالْقِيَاسِ فِي صُورَةِ الْمُسَاوَاةِ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَغَيْرِهِ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ تَنْبِيهٌ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى، وَلِذَلِكَ، كَانَ الْحُكْمُ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ أَوْلَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثُّبُوتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ فِي صُورَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَالْمُسَاوَاةِ أَيْضًا إذَا كَانَتْ بِحَيْثُ لَا تَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ، وَبِالْقِيَاسِ إذَا تَوَقَّفَتْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ دَلَالَةَ النَّصِّ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ كَثُبُوتِ الرَّجْمِ فِي الزِّنَا بِدَلَالَةِ نَصٍّ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.