قَالَ (وَيَنْوِي لِلصَّلَاةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا بِنِيَّةٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّحْرِيمَةِ بِعَمَلٍ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الصَّلَاةِ بِالْقِيَامِ وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْعَادَةِ وَالْعِبَادَةِ وَلَا يَقَعُ التَّمْيِيزُ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَالْمُتَقَدِّمُ عَلَى التَّكْبِيرِ كَالْقَائِمِ عِنْدَهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْطَعُهُ وَهُوَ عَمَلٌ لَا يَلِيقُ بِالصَّلَاةِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْمُتَأَخِّرَةِ مِنْهَا عَنْهُ لِأَنَّ مَا مَضَى لَا يَقَعُ عِبَادَةً لِعَدَمِ النِّيَّةِ، وَفِي الصَّوْمِ جُوِّزَتْ لِلضَّرُورَةِ، وَالنِّيَّةُ هِيَ الْإِرَادَةُ،
فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَلَّا يَجُوزَ قَاعِدًا فَتَسَاوَيَا فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، وَلَكِنَّ الْقُعُودَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ السَّتْرِ يَصِحُّ لِتَرْجِيحِ جَانِبِ الْقُعُودِ؛ وَلِأَنَّ السَّتْرَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْأَرْكَانِ لِقِيَامِ الْخَلَفِ مَقَامَهَا.
قَالَ (وَيَنْوِي الصَّلَاةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا بِنِيَّةٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّحْرِيمَةِ بِعَمَلٍ) الْكَلَامُ هَاهُنَا فِي مَوَاضِعَ فِي نَفْسِ النِّيَّةِ، وَفِي الْأَصْلِ الَّذِي وَجَبَتْ بِهِ وَفِي وَقْتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا، وَالْمُصَنِّفُ بَدَأَ بِبَيَانِ الْأَصْلِ الثَّابِتَةِ هِيَ بِهِ فَقَالَ (وَالْأَصْلُ فِيهِ) أَيْ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ (قَوْلُهُ: ﷺ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ») أَيْ حُكْمُ الْأَعْمَالِ أَوْ ثَوَابُهَا مُلْصَقٌ بِهَا، وَقِيلَ تَقْرِيرُهُ الصَّلَاةَ عَمَلٌ وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ فَالصَّلَاةُ بِالنِّيَّةِ، فَمَا لَا يَكُونُ بِالنِّيَّةِ لَا يَكُونُ صَلَاةً، وَفِيهِ نَظَرٌ (وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الصَّلَاةِ بِالْقِيَامِ) وَهَذَا ظَاهِرٌ (وَهُوَ) أَيْ الْقِيَامُ (مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْعَادَةِ وَالْعِبَادَةِ) فَابْتِدَاؤُهَا مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا (وَلَا يَقَعُ إلَّا بِالنِّيَّةِ) لِمَا ذُكِرَ ثُمَّ ذَكَرَ وَقْتَهُ بِقَوْلِهِ (وَالْمُتَقَدِّمُ عَلَى التَّكْبِيرِ كَالْقَائِمِ عِنْدَهُ) إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْطَعُهُ، وَهُوَ عَمَلٌ لَا يَلِيقُ بِالصَّلَاةِ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الْجَوَازِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَوْ نَوَى عِنْدَ الْوُضُوءِ أَنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بَعْدَ النِّيَّةِ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ جَازَتْ صَلَاتُهُ بِتِلْكَ النِّيَّةِ، وَأَمَّا الْأَفْضَلُ فَأَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِلشُّرُوعِ وَلَا يَكُونُ شَارِعًا بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْمُتَأَخِّرَةِ مِنْهَا عَنْهُ) أَيْ مِنْ النِّيَّةِ عَنْ التَّكْبِيرِ رُدَّ لِقَوْلِ الْكَرْخِيِّ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُهَا بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْ التَّحْرِيمَةِ.
وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِهِ فَقِيلَ إلَى انْتِهَاءِ الثَّنَاءِ، وَقِيلَ إلَى التَّعَوُّذِ، وَقِيلَ إلَى الرُّكُوعِ، وَقِيلَ إلَى أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ مَا مَضَى) يَعْنِي مِنْ الْأَجْزَاءِ (لَا يَقَعُ عِبَادَةً لِعَدَمِ النِّيَّةِ) وَالْأَجْزَاءُ الْبَاقِيَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّ النِّيَّةَ فِيهِ جُوِّزَتْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.