وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِكَمَالِ النِّهَايَةِ، وَأَنَّ التَّوْبَةَ تَنْقُلُ الْعَبْدَ إِلَى مَرْتَبَةٍ أَكْمَلَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ؛ عَلِمَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ اللَّهُ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وَأَيْضًا فَفِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَكُونُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ إِلَّا وَاحِدٌ كَانَ يَكُونُ هُوَ ذَلِكَ الْوَاحِدَ، مِثْلَ سَفَرِهِ فِي الْهِجْرَةِ وَمُقَامِهِ يَوْمَ بَدْرٍ فِي الْعَرِيشِ: لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِيهِ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ، وَمِثْلَ خُرُوجِهِ إِلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ كَانَ يَكُونُ مَعَهُ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ أَبُو بَكْرٍ.
وَهَذَا الِاخْتِصَاصُ فِي الصُّحْبَةِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَمَّا مَنْ كَانَ جَاهِلًا أَحْوَالَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ كَذَّابًا فَذَلِكَ يُخَاطَبُ (١) خِطَابَ مِثْلِهِ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: ٤٠] لَا يَخْتَصُّ بِمُصَاحَبَتِهِ فِي الْغَارِ، بَلْ هُوَ صَاحِبُهُ الْمُطْلَقُ الَّذِي كَمُلَ [فِي] الصُّحْبَةِ (٢) كَمَالًا لَمْ يَشْرَكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَصَارَ مُخْتَصًّا بِالْأَكْمَلِيَّةِ (٣) مِنَ الصُّحْبَةِ.
كَمَا فِي الْحَدِيثِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «أَيُّهَا النَّاسُ اعْرَفُوا لِأَبِي بَكْرٍ حَقَّهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ
(١) س: أَوْ كَذَّابًا يُخَاطِبُ، ب: أَوْ كَذَّابًا فَيُخَاطَبُ.(٢) ن، م، س: كَمَّلَ الصُّحْبَةَ. . .(٣) م: بِالْأَهْلِيَّةِ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute