﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: انتهوا عن الشّرك، وأسلموا فلا عدوان؛ إلَّا على من اعتدى عليكم، وبقي على شركه وظلمه.
وإذا نظرنا إلى هذه الآية وقارناها بالآية (٣٩) من سورة الأنفال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ترى الاختلاف هو زيادة كلمة (كلُّهُ) في الأنفال، وحذفها في آية سورة البقرة، وهذا يعود إلى أنّ آية الأنفال تشمل قتال كلّ الكفار «ولذلك زاد كلّه» بينما آية البقرة محصورة في قتال كفار مكة فقط، وقد نزلت آية البقرة أولاً في السنة الأولى من الهجرة، وحثت على قتال كفار مكة، ونزلت آية الأنفال بعد آية البقرة بعد غزوة بدر وقتل كثير من صناديد قريش فحثت الآية على قتال الكفار جميعاً، أمّا نهاية آية البقرة، فلا عدوان إلَّا على الظّالمين ردّاً على قوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: إذن فلا عدوان إلَّا على الظّالمين، أما نهاية آية الأنفال، ﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ بعد اقتلاع الفتنة، فإن أسلموا كان خيراً، وإن لم يسلموا: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾، ﴿اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
المناسبة: أنّ النّبي ﷺ أقبل هو وأصحابه، ومعهم الهدي معتمرين فصدهم المشركون فصالحهم الرّسول على أن يرجع عنهم، ثمّ يعودوا في العام القادم، وهو صلح الحديبية، فلما رجع رسول الله مع أصحابه افتخر المشركون؛ إذ ردُّوه يوم الحديبية، ومنعوه من دخول مكة في ذلك العام، فأقصه الله منهم، وأدخله مكة في الشّهر الّذي ردُّوه فيه من العام المقبل.