أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَعَلَ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ مُوجِبٌ الْعَدَمَ وَعِنْدَنَا الْعَدَمُ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ بَلْ بَقِيَ الْمُعَلَّقُ عَلَى أَصْلِ الْعَدَمِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عِنْدَنَا لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا وَإِنَّمَا الشَّرْطُ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هُوَ مُؤَخَّرٌ
ــ
[كشف الأسرار]
وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ مَعَ الزِّيَادَةِ يَحْتَمِلُ الْجَوَابَ فَإِنَّهُ قَدْ يُزَادُ عَلَى الْجَوَابِ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا مَرَّتْ أَمْثِلَتُهُ وَلَكِنْ لَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ الْعُمُومَ فِي الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ ثَابِتٌ فَقَوْلُهُ فَرَجْمٌ عَامٌّ مِنْ حَيْثُ الْأَسْبَابُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَقَعَ لِرِدَّةٍ أَوْ قَتْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ أَوْ سِيَاسَةٍ أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ فَعِنْدَ ذِكْرِ الزِّنَا تَخْصِيصٌ بِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَسَجَدَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَقَعَ لِلتِّلَاوَةِ أَوْ لِقَضَاءِ الْمَتْرُوكَةِ أَوْ لِشَرْعِ زِيَادَةٍ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لِلسَّهْوِ فَلَمَّا نُقِلَ السَّبَبُ مَعَهُ تَخَصَّصَ بِهِ وَكَذَلِكَ بَلَى أَوْ نَعَمْ عَامٌّ لِإِبْهَامِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَصْلُحُ جَوَابًا لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْكَلَامِ فَعِنْدَ ذِكْرِ السَّبَبِ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَعُمُومُ الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ نَكِرَةٌ وَاقِعَةٌ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ فَتَعُمُّ وَلَكِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَمَحُّلٍ وَتَكَلُّفٍ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا أَظْهَرُ وَأَوْفَقُ لِعَامَّةِ الْكُتُبِ.
[التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ مُوجِبٌ الْعَدَمَ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْعَمَلِ بِالْوُجُوهِ الْفَاسِدَةِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَعَلَ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ يُوجِبُ الْعَدَمَ لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَكِنَّ هَذَا الْعَدَمَ عِنْدَنَا هُوَ الْعَدَمُ الْأَصْلِيُّ الَّذِي كَانَ قَبْلَ التَّعْلِيقِ وَعِنْدَهُ هُوَ ثَابِتٌ بِالتَّعْلِيقِ فَفِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ عَدَمُ الطَّلَاقِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَكِنْ بِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي كَانَ قَبْلَ التَّعْلِيقِ وَاسْتَمَرَّ إلَى زَمَانِ وُجُودِ الشَّرْطِ وَعِنْدَهُ هُوَ ثَابِتٌ بِالتَّعْلِيقِ مُضَافٌ إلَى عَدَمِ الشَّرْطِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمَشْرُوطِ وَعَدَمَهُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ أَجْمَعَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ أَنْكَرَ الْمَفْهُومَ مِثْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَابْنِ شُرَيْحٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ مِنْ مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ وَعِنْدَ عَامَّةِ مَنْ أَنْكَرَ الْمَفْهُومَ عَدَمُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ وَيُسَمَّى هَذَا مَفْهُومَ الشَّرْطِ تَمَسَّكَ الْقَائِلُونَ بِهِ بِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ دَخَلَ عَبْدِي الدَّارَ فَأَعْتِقْهُ يُفْهَمُ مِنْهُ لُغَةً وَلَا تَعْتِقْهُ إنْ لَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ فَكَمَا أَنَّ الدُّخُولَ يُوجِبُ جَوَازَ الْإِعْتَاقِ فَعَدَمُهُ يَمْنَعُ عَنْهُ فَكَانَ الْعَدَمُ مُضَافًا إلَيْهِ وَبِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فَلَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ مَعَ عَدَمِهِ لَكَانَ كُلُّ شَيْءٍ شَرْطًا فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ دُخُولُ زَيْدٍ الدَّارَ شَرْطًا فِي كَوْنِ السَّمَاءِ فَوْقَ الْأَرْضِ وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الدُّخُولِ كَذَا ذُكِرَ فِي الْقَوَاطِعِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ قَالَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: مَا بَالُنَا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَقَدْ أَمِنَّا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: ١٠١] فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: عَجِبْت مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «إنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» فَلَوْ لَمْ يَعْقَلْ مِنْ التَّعْلِيقِ نَفْيُ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ لَمْ يَكُنْ لِتَعَجُّبِهِمَا مَعْنًى مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ وَفَرَّقَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَمَنْ وَاقَفَهُ مِنْ مُنْكِرِي الْمَفْهُومِ بَيْنَ التَّقْيِيدِ بِالصِّفَةِ وَنَحْوِهَا وَبَيْنَ التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ فَقَالُوا: التَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ التَّقْيِيدَاتِ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ يَقْتَضِي إيقَافَ الْحُكْمِ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ وَإِذَا وُقِفَ عَلَيْهِ انْعَدَمَ بِعَدَمِهِ وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِنْ التَّقْيِيدَاتِ إيقَافُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا فَيَبْقَى مَا وَرَاءَ الْمَذْكُورِ مَوْقُوفًا عَلَى حَسَبِ مَا يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَحُجَّةُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.