وَأَمَّا الْمُفَسَّرُ فَمَا ازْدَادَ وُضُوحًا عَلَى النَّصِّ سَوَاءٌ كَانَ بِمَعْنًى فِي النَّصِّ أَوْ بِغَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ مُجْمَلًا فَلَحِقَهُ بَيَانٌ قَاطِعٌ
ــ
[كشف الأسرار]
مُنْطَلِقٌ عَلَى اللُّغَةِ وَلَا مَانِعَ فِي الشَّرْعِ وَالنَّصُّ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الظُّهُورِ تَقُولُ الْعَرَبُ نَصَّتْ الظَّبْيَةُ رَأْسَهَا إذَا رَفَعَتْ وَأَظْهَرَتْ فَعَلَى هَذَا حَدُّهُ حَدُّ الظَّاهِرِ، وَهُوَ اللَّفْظُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فَهْمُ مَعْنًى مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الْغَالِبِ ظَاهِرٌ وَنَصٌّ.
الثَّانِي: وَهُوَ الْأَشْهَرُ هُوَ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ أَصْلًا لَا عَلَى قُرْبٍ وَلَا عَلَى بُعْدٍ كَالْخَمْسَةِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي مَعْنَاهُ لَا يَحْتَمِلُ شَيْئًا آخَرَ فَكُلُّ مَا كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى مَعْنَاهُ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ سُمِّيَ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَعْنَاهُ نَصًّا فِي طَرَفَيْ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ أَعْنِي فِي إثْبَاتِ الْمُسَمَّى وَنَفْيِ مَا لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَعَلَى هَذَا حَدُّهُ اللَّفْظُ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ عَلَى الْقَطْعِ مَعْنًى فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَعْنَاهُ الْمَقْطُوعِ بِهِ نَصٌّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ نَصًّا وَظَاهِرًا وَمُجْمَلًا لَكِنْ بِالْإِضَافَةِ إلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ لَا إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.
الثَّالِثُ التَّعْبِيرُ: بِالنَّصِّ عَمَّا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ مَقْبُولٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ أَمَّا الِاحْتِمَالُ الَّذِي لَا يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ فَلَا يَخْرُجُ اللَّفْظُ عَنْ كَوْنِهِ نَصًّا فَكَانَ شَرْطُ النَّصِّ بِالْوَضْعِ الثَّانِي أَنْ لَا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ احْتِمَالٌ أَصْلًا وَبِالْوَضْعِ الثَّالِثِ أَنْ لَا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ احْتِمَالٌ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ الْمُعْتَضَدُ بِدَلِيلٍ وَلَا حَجْرَ فِي إطْلَاقِ النَّصِّ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ لَكِنَّ الْإِطْلَاقَ الثَّانِي أَوْجَهُ وَأَشْهَرُ وَعَنْ الِاشْتِبَاهِ بِالظَّاهِرِ أَبْعَدُ، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مُوجِبَ الظَّاهِرِ وَالنَّصِّ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي اخْتَارَهُ مَشَايِخُنَا ظَنِّيٌّ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَأَمَّا عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي اخْتَارُوهُ فَقَطْعِيٌّ كَالْمُفَسَّرِ.
(وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّ هَذَا) أَيْ النَّصَّ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ الْمُسَاوَاةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ، وَكَذَا الثَّانِي فَيَكُونُ بِمَعْنَى لَكِنْ، أَوْلَى مِنْهُ أَيْ مِنْ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمَّا كَانَ أَوْضَحَ بَيَانًا كَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ الظَّاهِرِ عَلَى مَعْنًى يُوَافِقُ النَّصَّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ؛ وَلِأَنَّا إنَّمَا لَمْ نَعْتَبِرْ الِاحْتِمَالَ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ لِعَدَمِ دَلِيلٍ يُعَضِّدُهُ فَلَمَّا تَأَيَّدَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ بِمُعَارَضَةِ النَّصِّ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
وَنَظِيرُ التَّعَارُضِ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالنَّصِّ مِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] ، مَعَ: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: ٣] ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرٌ عَامٌّ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِ غَيْرِ الْمُحَرَّمَاتِ فَيَقْتَضِي بِعُمُومِهِ وَإِطْلَاقِهِ جَوَازَ نِكَاحِ مَا وَرَاءَ الْأَرْبَعِ وَالثَّانِي نَصٌّ يَقْتَضِي اقْتِصَارَ الْجَوَازِ عَلَى الْأَرْبَعِ فَيَتَعَارَضَانِ فِيمَا وَرَاءَ الْأَرْبَعِ فَيُرَجَّحُ النَّصُّ وَيُحْمَلُ الظَّاهِرُ عَلَيْهِ، وَمِنْ السُّنَّةِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» فَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ الْجَوَازِ عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ لَا هَذِهِ لِنَفْيِ الْجِنْسِ فَيَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي وَالْمُنْفَرِدِ وَالثَّانِي نَصٌّ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ وُضُوحًا فِي إفَادَةِ مَعْنَاهُ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ لَا لِنَفْيِ الْفَضِيلَةِ وَاسْتِعْمَالِ الْعَامِّ فِي بَعْضِ مَفْهُومَاتِهِ شَائِعٌ ذَائِعٌ فَيَتَعَارَضَانِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي فَيُعْمَلُ بِالنَّصِّ وَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ أَوْ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ.
[تَعْرِيف الْمُفَسَّرُ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُفَسَّرُ فَمَا ازْدَادَ) أَيْ فَكَلَامٌ ازْدَادَ وُضُوحًا عَلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ التَّأْوِيلِ مُنْقَطِعٌ فِيهِ بِخِلَافِ النَّصِّ، فَإِنَّ احْتِمَالَهُ قَائِمٌ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوُضُوحُ بِسَبَبِ مَعْنًى فِي النَّصِّ، بِأَنْ كَانَ أَيْ النَّصُّ مُجْمَلًا، وَهُوَ تَسَامُحٌ فِي الْعِبَارَةِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.