مُتَعَلِّقٌ بِمَا لَيْسَ بِوَصْفٍ فَلَمْ تَفْسُدْ فَكَذَلِكَ الْبَيْعُ وَقْتَ النِّدَاءِ وَهُوَ بِخِلَافِ بَيْعِ الْحُرِّ وَالْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ فَصَارَ النَّهْيُ مَجَازًا عَنْ النَّفْيِ وَهَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ صَحِيحَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُشَابَهَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ إنَّمَا الْكَلَامُ فِي حُكْمِ حَقِيقَتِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
جَانِبِ وُجُوبِ الْمُضِيِّ فَلَمْ يَجِبْ الْمُضِيُّ فَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ ثُمَّ أَفْسَدَ حَيْثُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَرَكَّبَتْ مِنْ أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ غَيْرِ مُتَجَانِسَةٍ مِنْ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ فَلَا يَكُونُ لِبَعْضِهَا اسْمُ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا يَنْطَلِقُ الِاسْمُ عِنْدَ انْضِمَامِ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ بِأَنْ يُقَيِّدَ الرَّكْعَةَ بِالسَّجْدَةِ وَصَارَتْ الرَّكَعَاتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَجْزَاءً مُتَجَانِسَةً فَكَانَ لِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ اسْمُ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ فَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يُقَيِّدْ الرَّكْعَةَ بِالسَّجْدَةِ، وَمَنْ انْتَقَلَ مِنْ الْفَرْضِ إلَى النَّفْلِ قَبْلَ تَمَامِهِ لَا يُجْعَلُ مُتَنَفِّلًا مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ السَّجْدَةُ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ لَيْسَ بِصَلَاةٍ وَالنَّهْيُ وَرَدَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فَلَمْ يَكُنْ الشُّرُوعُ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَلَا الْقِيَامُ وَلَا الْقِرَاءَةُ وَلَا لِلرُّكُوعِ وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ النَّهْيُ عِنْدَ وُجُودِ السَّجْدَةِ فَمَا مَضَى قَبْلَ ذَلِكَ انْعَقَدَ عِبَارَةً مَحْضَةً وَإِبْطَالُهَا حَرَامٌ وَصِيَانَتُهَا وَاجِبَةٌ وَلَا تَحْصُلُ الصِّيَانَةُ بِدُونِ الْمُضِيِّ فَكَانَ الْمُضِيُّ فِي حَقِّ مَا مَضَى امْتِنَاعًا عَنْ إبْطَالِ الْعَمَلِ وَهُوَ وَاجِبٌ وَفِي حَقِّ مَا يُسْتَقْبَلُ تَحْصِيلُ طَاعَةٍ وَتَحْصِيلُ مَعْصِيَةٍ فَكَانَ الْمُضِيُّ طَاعَةً وَمَعْصِيَةً وَامْتِنَاعًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَهِيَ إبْطَالُ الْعِبَادَةِ وَتَرْكُ الْمُضِيِّ امْتِنَاعًا عَنْ مَعْصِيَةٍ وَطَاعَةٍ وَارْتِكَابُ مَعْصِيَةٍ وَهِيَ إبْطَالُ عِبَادَةٍ مَحْضَةٍ فَتَرَجَّحَتْ جِهَةُ الْمُضِيِّ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ فَوَجَبَ الْمُضِيُّ.
فَإِذَا أَفْسَدَ فَقَدْ أَفْسَدَ عِبَادَةً وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهَا فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ]
قَوْلُهُ (مُتَعَلِّقٌ بِمَا لَيْسَ بِوَصْفٍ) أَيْ لَيْسَ بِوَصْفٍ وَلَا سَبَبٍ فَلَمْ تَفْسُدْ وَلَمْ يُنْتَقَضْ أَيْضًا حَتَّى تَأَدَّى بِهَا الْوَاجِبُ الْكَامِلُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إلَّا أَنَّ غَرَضَ الشَّيْخِ لَمَّا كَانَ هُوَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ وَبَيْنَ بَيْعِ الرِّبَا لَا غَيْرُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِعَدَمِ الِانْتِقَاضِ وَإِنَّمَا كَانَ النَّهْيُ مُتَعَلِّقًا بِمَا لَيْسَ بِوَصْفٍ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ فِي الصَّلَاةِ بِشَغْلِ الْأَرْضِ وَفِي الْبَيْعِ بِتَرْكِ السَّعْيِ وَهُمَا أَمْرَانِ مُنْفَكَّانِ عَنْ الصَّلَاةِ وَالْبَيْعِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّغْلَ يُوجَدُ بِدُونِ الصَّلَاةِ وَالصَّلَاةُ تُوجَدُ بِدُونِ الشَّغْلِ وَكَذَا الْبَيْعُ يُوجَدُ بِدُونِ تَرْكِ السَّعْيِ بِأَنْ تَبَايَعَا فِي الطَّرِيقِ ذَاهِبَيْنِ وَتَرْكُ السَّعْيِ يُوجَدُ بِدُونِ الْبَيْعِ بِأَنْ مَكَثَ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ النَّهْيُ لِأَمْرٍ مُجَاوِرٍ فَأَوْجَبَ الْكَرَاهَةَ دُونَ الْفَسَادِ وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ الْقُبْحُ الْمُتَّصِلُ بِالْمَشْرُوعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ اتِّصَالٌ كَامِلٌ وَوَسَطٌ وَنَاقِصٌ فَالْكَامِلُ فِي صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ بِالشُّرُوعِ وَلَمْ يَتَأَدَّ بِهِ الْكَامِلُ وَالْوَسَطُ فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ إذْ اتِّصَالُ الْقُبْحِ بِهَا أَقَلُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّوْمِ وَأَكْثَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ وَلِذَلِكَ لَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَامِلُ وَتُضْمَنُ بِالشُّرُوعِ وَالنَّاقِصُ فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ وَلِذَلِكَ ثَبَتَ فِيهَا الْكَرَاهَةُ دُونَ الْفَسَادِ وَالنُّقْصَانِ لِأَنَّ الْقُبْحَ فِيهَا عَلَى طَرِيقِ الْمُجَاوَرَةِ لَا عَلَى طَرِيقِ الِاتِّصَالِ فِي الْحَقِيقَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا صَحِيحَةٌ وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ وَالزَّيْدِيَّةِ وَالْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ إلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ قَائِلِينَ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّتِهَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ بِذَاتِهِ حَرَامًا وَحَلَالًا لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ الْمُعَيَّنَ غَصْبٌ وَمُتَعَلِّقُ الْحُرْمَةِ بِالِاتِّفَاقِ فَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ هُوَ بِعَيْنِهِ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ أَيْضًا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.