قِيلَ: إنَّ مَالِكًا خَالَفَ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً فِي التَّحْرِيمِ. فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْأحَادِيثَ قَلِيلَةٌ جِدُّا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَادِيثِ الْأشرِبَةِ.
ثُمَّ إنَّ مِن أَعْظَمِ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةَ اخْتِلَاطِ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ لِعَيْنِهِ؛ كَاخْتِلَاطِ النًجَاسَاتِ بِالْمَاءِ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ، فَأَهْلُ الْكُوفَةِ يُحَرِّمُونَ كُلَّ مَاءٍ أَو مَائِعٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ قَلِيلًا كَانَ أَو كَثِيرًا.
وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، فَلَا يَنْجُسُ الْمَاءُ عِنْدَهُمْ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ اسْمَ الْمَاءِ بَاقٍ. وَالِاسْمُ الَّذِي بِهِ أُبِيحَ قَبْلَ الْوُقُوعِ بَاقٍ. وَقَد دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بِئْرِ بضاعة (١) وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ، وَلَمْ يُعَارِضْ ذَلِكَ إلا حَدِيثٌ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فِيهِ، وَهُوَ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ؛ فَإِنَّهُ قَد يَخُصُّ الْبَوْلَ بِالْحُكْمِ.
وَخَصَّ بَعْضُهُم أَنْ يُبَالَ فِيهِ دُونَ انْ يَجْرِيَ إلَيْهِ الْبَوْلُ.
وَقَد يَخُصُّ ذَلِكَ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ.
وَقَد يُقَالُ: النَّهْيُ عَنِ الْبَوْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّنْجِيسَ؛ بَل قَد يُنْهَى عَنْهُ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّنْجِيسِ إذَا كَثُرَ.
يُقَرِّرُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَنَازُعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ
(١) وهو ما رواه أبو داود، عَن أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ يُسْتَقَى لَكَ مِن بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرْ يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ، وَالْمَحَايِضُ وَعَذِرُ النَّاسِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ الْمَاء طَهُورٌ لَا يُنَجّسُهُ شَيْءٌ".قَالَ أبُو دَاوُدَ: وسَمِعت قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضاعَةَ عَن عُمْقِهَا؟ قَالَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ إِلَى الْعَانَةِ، قُلْتُ: فَإِذَا نَقَصَ، قَالَ: دُونَ الْعَوْرَةِ.قَالَ أبُو دَاوُدَ: "وَقَدَّرْتُ أنَا بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ ذَرَعْتُهُ فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ، وَسَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ: هَل غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ".
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute