وَلَو قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الصَّاعَ وَالْمُدَّ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى عَادَاتِ النَّاسِ؛ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ صَاعَ عُمَرَ كَانَ أَكْبَرَ، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ الْخَرَاجَ. لَكِنْ لَمْ أَعْلَمْ بِهَذَا قَائِلًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إلَّا مَا قَالَهُ السَّلَفُ قَبْلَنَا؛ لِأَنَّهُم عَلِمُوا مُرَادَ الرَّسُولِ قَطْعًا، فَإِنْ كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَو التَابِعِينَ مَن جَعَلَ الصَّاعَ كَيْرَ مُقَدَّرٍ بِالشَّرْعِ صَارَتْ مَسْأَلَةَ اجْتِهَادٍ (١).
وَأَمَّا الدِّرْهَمُ وَالدّينَارُ فَقَد عَرَفْتَ تَنَازُعَ النَّاسِ فِيهِ وَاضْطِرَابَ أَكْثَرِهِمْ؛ حَيْثُ لَمْ يَعْتَمِدُوا عَلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ بَل جَعَلُوا مِقْدَارَ مَا أَرَادَة الرَّسُولُ هُوَ مِقْدَار الدَّرَاهِمِ الَّتِي ضَرَبَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ؛ لِكَوْنِهِ جَمَعَ الدَّرَاهِمَ الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ وَالْمُتَوَسِّطَةَ، وَجَعَلَ مُعَدَّلَهَا سِتَّةَ دَوَانِيقَ.
فَيُقَالُ لَهُم: هَبْ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ؛ لَكِنَّ الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا خَاطَبَ أَصْحَابَهُ وَأُمَّتَهُ بِلَفْظِ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَعِنْدَهُم أَوْزَان مُخْتَلِفَة الْمَقَادِيرِ كَمَا ذَكَرْتُمْ لَمْ يَحُدَّ لَهُم الدِّرْهَمَ بِالْقَدْرِ الْوَسَطِ كَمَا فَعَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ، بَل أَطْلَقَ لَفْظَ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، كَمَا أَطْلَقَ لَفْظَ الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيل؛ وَالْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَالدَّارِ وَالْقَرْيَةِ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَيْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَصْنوعَاتِ الْآدَمِيِّينَ، فَلَو كَانَ لِلْمُسَمَّى عِنْدَة حَدٌّ لَحَدَّه، مَعَ عِلْمِهِ بِاخْتِلَافِ الْمَقَادِيرِ، فَاصْطِلَاحُ النَّاسِ عَلَى مِقْدَارِ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ أَمْرٌ عَادِيٌّ.
وَكَذَلِكَ لَفْظُ "الْجِزْيَةِ" و"الدِّيَةِ". وَكَذَلِكَ لَفْظُ الضَّرِيبَةِ لِمَا يُضْرَبُ عَلَى النَّاسِ، فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا لَيْسَ لَهَا حَدٌّ فِي اللُّغَةِ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ إلَى عَادَاتِ النَّاسِ، فَإِنْ كَانَ الشَّرْعُ قَد حَدَّ لِبَعْضٍ حَدًّا كَانَ اتِّبَاعُهُ وَاجِبًا.
وَلهَذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجِزْيَةِ: هَل هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ أَو يُرْجَعُ فِيهَا إلَى اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ؟
(١) هذا هو منهج شيخ الإسلام وغيرِه من أهل العلم، لا يخرجون عن فهم السلف الصالح لنصوص الكتاب والسُّنَّة، ولا يُحدثون قولًا لم يقله السلف الصالح.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.