الأمر الثاني: ويبين أن هذا القول الوسط هو الذي يرجع إليه قول كثير من العلماء أمور منها:
أولا: أنه قد تجد أحدهم عند الكلام على المسألة المعقودة لقطعية خبر الواحد يوحي كلامه بالنفي المطلق، ثم تجده في مواضع أخرى يذهب إلى أن خبر الواحد يفيد العلم القطعي إذا تلقته الأمة بالقبول أو كان بحضرة جماعة كثيرة لم ينكروا سماعه ممن ادعى سماعه منه أو نحو ذلك مما قد لا يسميها قرينة، مع أن كل ذلك أمور زائدة على مطلق خبر الواحد، فهي داخلة في المراد بالقرائن ههنا١.
ثانيا: أنه قد ينفي أحدهم قطعية خبر الواحد مع قرائن معينة من غير أن يدل كلامه على نفي أصل قطعية خبر الواحد مع القرائن٢، لذا قال القرافي لما أورد اعتراضا على قطعية خبر الواحد بوقوع قرائن كثيرة مع أخبار لم تفيد القطع:"إنا نمنع أن الحاصل من تلك الصور علم بل اعتقاد، ونحن لا ندعي أن القرائن تفيد العلم في جميع الصور بل في بعضها"٣.
١ انظر مثلا العدة لأبي يعلى٣/٩٠٤ ثم ٣/٨٩٨، وإحكام الفصول للباجي ص٣٢٣-٣٢٤ ثم ٣٣٠، وشرح اللمع للشيرازي٢/٥٧٩-٥٨٠، والوصول إلى الأصول لابن برهان ٢/١٧٤ ثم ٢/٩٠، ١٥٠. ٢ انظر إحكام الفصول للباجي ص٢٣٦ والتمهيد لأبي الخطاب٣/٧٩-٨٠ والوصول لابن برهان ٢/١٧٤. ٣ شرح تنقيح الفصول ص٣٥٥.