فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي آيَاتٍ أُخر أَنَّ مَعْنَى عِبَادَتِهِمْ لِلشَّيْطَانِ إِطَاعَتُهُمْ لَهُ وَاتِّبَاعُهُمْ لِتَشْرِيعِهِ وَإِيثَارُهُ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ عِنْدِ اللَّه تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) ، وَقَوْلِهِ: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، فَإِنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمَّا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا؟ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّه، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّه فَاتَّبَعُوهُمْ» (١) ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى اتِّخَاذِهِمْ إِيَّاهُمْ أَرْبَابًا. وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ بِوُضُوحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعَ الشَّيْطَانِ مُؤْثِرًا لَهُ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَهُوَ كَافِرٌ باللَّه، عَابِدٌ لِلشَّيْطَانِ، مُتَّخِذٌ الشَّيْطَانَ رَبًّا، وَإِنْ سَمَّى اتِّبَاعَهُ لِلشَّيْطَانِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَسْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَقَائِقَ لَا تَتَغَيَّرُ بِإِطْلَاقِ الْأَلْفَاظِ عَلَيْهَا، كَمَا هُوَ مَعْلُوم] (٢) .

[وَمِنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ لِلَّتِي هِيَ أقْوَم بَيَانُهُ أَنَّهُ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعًا غَيْرَ التَّشْرِيعِ الَّذِي جَاءَ بِهِ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَاتِّبَاعُهُ لِذَلِكَ التَّشْرِيعِ الْمُخَالِفِ كُفْرٌ بَوَاحٌ، مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ. وَلَمَّا قَالَ الْكُفَّارُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الشَّاةُ تُصْبِحُ مَيِّتَةً مَنْ قَتَلَهَا؟ فَقَالَ لَهُمْ: «اللَّهُ قَتَلَهَا» فَقَالُوا لَهُ: مَا ذَبَحْتُمْ بِأَيْدِيهِمْ حَلَالٌ، وَمَا ذَبَحَهُ الله بِيَدِهِ الْكَرِيمَة تَقولُونَ إِنَّه حَرَامًا فَأَنْتُمْ إِذَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ!؟ - أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (٣)


(١) - رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (٥/٢٧٨) (٣٠٩٥) ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عبد السَّلَام بن حَرْب وغطيف بن أعين لَيْسَ بِمَعْرُوف فِي الحَدِيث. والْحَدِيث حسنه الشَّيْخ الألباني - رَحمَه الله -.
(٢) - ١/٣٦٤ - ٣٦٥، النِّسَاء /١١٧.
(٣) - رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢/١١١) (٢٨١٩) بِنَحْوِهِ مَوْصُولا من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَصَححهُ الشَّيْخ الألباني - رَحمَه الله -، وَقد رُوِيَ من طرق أُخْرَى عَن عِكْرِمَة، سعيد بن جُبَير مُرْسلا.

<<  <  ج: ص:  >  >>