مَعَ الشَّكِّ فِي طَهَارَتِهَا. وَإِنْ صَلَّاهَا مَعَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّاهَا قَبْلَهُ فِي وَقْتٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا.
(١٣٦١) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، كَالْمُسَافِرِ، وَالْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْمَرِيضِ، وَسَائِرِ الْمَعْذُورِينَ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بَقَاءَ الْعُذْرِ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ كَغَيْرِ الْمَعْذُورِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يُخَاطَبْ بِالْجُمُعَةِ، فَصَحَّتْ مِنْهُ الظُّهْرُ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ. وَقَوْلُهُ: لَا يَتَيَقَّنُ بَقَاءُ الْعُذْرِ. قُلْنَا: أَمَّا الْمَرْأَةُ فَمَعْلُومٌ بَقَاءُ عُذْرِهَا، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَالظَّاهِرُ بَقَاءُ عُذْرِهِ، وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُهُ، فَأَشْبَهَ الْمُتَيَمِّمَ إذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَالْمَرِيضَ إذَا صَلَّى جَالِسًا، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ صَلَّاهَا، ثُمَّ سَعَى إلَى الْجُمُعَةِ، لَمْ تَبْطُلْ ظُهْرُهُ، وَكَانَتْ الْجُمُعَةُ نَفْلًا فِي حَقِّهِ، سَوَاءٌ زَالَ عُذْرُهُ أَوْ لَمْ يَزُلْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَبْطُلُ ظُهْرُهُ بِالسَّعْيِ إلَيْهَا، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الصَّامِتِ، فَقُلْتُ: نُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ أُمَرَاءَ فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً.» وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» .
وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ أَسْقَطَتْ فَرْضَهُ، وَأَبْرَأَتْ ذِمَّتَهُ، فَأَشْبَهَتْ مَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ سَعَى إلَى الْجَمَاعَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُصَلُّوا إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ؛ لِيَخْرُجُوا مِنْ الْخِلَافِ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ زَوَالُ أَعْذَارِهِمْ، فَيُدْرِكُونَ الْجُمُعَةَ. (١٣٦٢)
فَصْلٌ: وَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا، أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ فِي جَمَاعَةٍ إذَا أَمِنَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ، وَالرَّغْبَةِ عَنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ، أَوْ أَنَّهُ يَرَى الْإِعَادَةَ إذَا صَلَّى مَعَهُ. فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَالْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَعْمَشِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، لِأَنَّ زَمَنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخْلُ مِنْ مَعْذُورِينَ، فَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ صَلَّوْا جَمَاعَةً. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، فَصَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ
وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَفَعَلَهُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ وَمُطَرِّفٌ، وَإِبْرَاهِيمُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَا أَعْجَبَ النَّاسَ يُنْكِرُونَ هَذَا، فَأَمَّا زَمَنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مَعْذُورُونَ يَحْتَاجُونَ إلَى إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.