وَقِيلَ: هُوَ تَرْكُ الشَّكْوَى.
وَقِيلَ:
الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ، مُرٌّ مَذَاقَتُهُ، ... لَكِنَّ عَوَاقِبَهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
وَقِيلَ: الصَّبْرُ أَنْ تَرْضَى بِتَلَفِ نَفْسِكَ فِي رِضَا مَنْ تُحِبُّهُ. كَمَا قِيلَ:
سَأَصْبِرُ كَيْ تَرْضَى وَأَتْلَفَ حَسْرَةً ... وَحَسَبِي أَنْ تَرْضَى وَيُتْلِفَنِي صَبْرِي
وَقِيلَ: مَرَاتِبُ الصَّابِرِينَ خَمْسَةٌ: صَابِرٌ، وَمُصْطَبِرٌ، وَمُتَصَبِّرٌ، وَصَبُورٌ، وَصَبَّارٌ، فَالصَّابِرُ: أَعَمُّهَا، وَالْمُصْطَبِرُ: الْمُكْتَسِبُ الصَّبْرَ الْمَلِيءُ بِهِ. وَالْمُتَصَبِّرُ: الْمُتَكَلِّفُ حَامِلٌ نَفْسَهُ عَلَيْهِ. وَالصَّبُورُ: الْعَظِيمُ الصَّبْرِ الَّذِي صَبْرُهُ أَشَدُّ مِنْ صَبْرِ غَيْرِهِ. وَالصَّبَّارُ: الْكَثِيرُ الصَّبْرِ. فَهَذَا فِي الْقَدْرِ وَالْكَمِّ. وَالَّذِي قَبْلَهُ فِي الْوَصْفِ وَالْكَيْفِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الصَّبْرُ مَطِيَّةٌ لَا تَكْبُو.
وَقَفَ رَجُلٌ عَلَى الشِّبْلِيِّ. فَقَالَ: أَيُّ صَبْرٍ أَشَدُّ عَلَى الصَّابِرِينَ؟ فَقَالَ: الصَّبْرُ فِي اللَّهِ. قَالَ السَّائِلُ: لَا. فَقَالَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ. فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ. فَقَالَ: لَا. قَالَ الشِّبْلِيُّ: فَإِيشْ هُوَ؟ قَالَ: الصَّبْرُ عَنِ اللَّهِ. فَصَرَخَ الشِّبْلِيُّ صَرْخَةً كَادَتْ رُوحُهُ تَتْلَفَ.
وَقَالَ الْجَرِيرِيُّ: الصَّبْرُ أَنْ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ حَالِ النِّعْمَةِ وَحَالِ الْمَحَبَّةِ، مَعَ سُكُونِ الْخَاطِرِ فِيهِمَا. وَالتَّصَبُّرُ: هُوَ السُّكُونُ مَعَ الْبَلَاءِ، مَعَ وِجْدَانِ أَثْقَالِ الْمِحْنَةِ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: فَازَ الصَّابِرُونَ بِعِزِّ الدَّارَيْنِ؛ لِأَنَّهُمْ نَالُوا مِنَ اللَّهِ مَعِيَّتَهُ. فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: ٢٠٠] . إِنَّهُ انْتِقَالٌ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى. فَالصَّبْرُ دُونَ الْمُصَابَرَةِ. وَالْمُصَابَرَةُ دُونَ الْمُرَابَطَةِ وَالْمُرَابَطَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الرَّبْطِ وَهُوَ الشَّدُّ. وَسُمِّي الْمُرَابِطُ مُرَابِطًا لِأَنَّ الْمُرَابِطِينَ يَرْبِطُونَ خُيُولَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْفَزَعَ. ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مُنْتَظِرٍ قَدْ رَبَطَ نَفْسَهُ لِطَاعَةٍ يَنْتَظِرُهَا: مُرَابِطٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.