[فَصْلٌ مَنْزِلَةُ التَّهْذِيبِ وَالتَّصْفِيَةِ]
[تَعْرِيفُ التَّهْذِيبِ]
وَمِنْ مَنَازِلِ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: ٥] مَنْزِلَةُ التَّهْذِيبِ وَالتَّصْفِيَةِ.
وَهُوَ سَبْكُ الْعُبُودِيَّةِ فِي كِيرِ الِامْتِحَانِ، طَلَبًا لِإِخْرَاجِ مَا فِيهَا مِنَ الْخَبَثِ وَالْغِشِّ.
قَالَ صَاحِبُ " الْمَنَازِلِ ":
التَّهْذِيبُ: مِحْنَةُ أَرْبَابِ الْبِدَايَاتِ. وَهُوَ شَرِيعَةٌ مِنْ شَرَائِعَ الرِّيَاضَةِ.
يُرِيدُ: أَنَّهُ صَعْبٌ عَلَى الْمُبْتَدِي. فَهُوَ لَهُ كَالْمِحْنَةِ. وَطَرِيقَةٌ لِلْمُرْتَاضِ الَّذِي قَدْ مَرَّنَ نَفْسَهُ حَتَّى اعْتَادَتْ قَبُولَهُ، وَانْقَادَتْ إِلَيْهِ.
[دَرَجَاتُ التَّهْذِيبِ]
[الدَّرَجَةُ الْأُولَى تَهْذِيبُ الْخِدْمَةِ]
قَالَ: وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ. الْأُولَى: تَهْذِيبُ الْخِدْمَةِ؛ أَنْ لَا يُخَالِجَهَا جَهَالَةٌ. وَلَا يَشُوبَهَا عَادَةٌ، وَلَا يَقِفَ عِنْدَهَا هِمَّةٌ.
أَيْ: تَخْلِيصُ الْعُبُودِيَّةِ، وَتَصْفِيَتُهَا مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ. وَهِيَ: مُخَالَجَةُ الْجَهَالَةِ، وَشَوْبُ الْعَادَةِ، وَوُقُوفُ هِمَّةِ الطَّالِبِ عِنْدَهَا.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مُخَالَطَةُ الْجُهَّالِ. فَإِنَّ الْجَهَالَةَ مَتَى خَالَطَتِ الْعُبُودِيَّةَ، أَوْرَدَهَا الْعَبْدُ غَيْرَ مَوْرِدِهَا. وَوَضَعَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَفَعَلَهَا فِي غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، وَفَعَلَ أَفْعَالًا يَعْتَقِدُ أَنَّهَا صَلَاحٌ. وَهِيَ إِفْسَادٌ لِخِدْمَتِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ، بِأَنْ يَتَحَرَّكَ فِي مَوْضِعِ السُّكُونِ، أَوْ يَسْكُنَ فِي مَوْضِعِ التَّحَرُّكِ. أَوْ يُفَرِّقَ فِي مَوْضِعِ جَمْعٍ، أَوْ يَجْمَعَ فِي مَوْضِعِ فَرْقٍ، أَوْ يَطِيرَ فِي مَوْضِعِ سَفُوفٍ، أَوْ يُسِفَّ فِي مَوْضِعِ طَيَرَانٍ، أَوْ يُقْدِمَ فِي مَوْضِعِ إِحْجَامٍ، أَوْ يُحْجِمَ فِي مَوْضِعِ إِقْدَامٍ، أَوْ يَتَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِ وُقُوفٍ، أَوْ يَقِفَ فِي مَوْضِعِ تَقَدُّمٍ. وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْحَرَكَاتِ، الَّتِي هِيَ فِي حَقِّ الْخِدْمَةِ كَحَرَكَاتِ الثَّقِيلِ الْبَغِيضِ فِي حُقُوقِ النَّاسِ.
فَالْخِدْمَةُ مَا لَمْ يَصْحَبْهَا عِلْمٌ ثَانٍ بِآدَابِهَا وَحُقُوقِهَا، غَيْرُ الْعِلْمِ بِهَا نَفْسِهَا، كَانَتْ فِي مَظِنَّةِ أَنْ تُبْعِدَ صَاحِبَهَا، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِهَا التَّقَرُّبَ. وَلَا يَلْزَمُ حُبُوطُ ثَوَابِهَا وَأَجْرِهَا فَهِيَ إِنْ لَمْ تُبْعِدْهُ عَنِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ أَبْعَدَتْهُ عَنِ الْمَنْزِلَةِ وَالْقُرْبَةِ. وَلَا تَنْفَصِلُ مَسَائِلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا بِمَعْرِفَةٍ خَاصَّةٍ بِاللَّهِ وَأَمْرِهِ، وَمَحَبَّةٍ تَامَّةٍ لَهُ، وَمَعْرِفَةٍ بِالنَّفْسِ وَمَا مِنْهَا.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.