عَلَى خِدْمَتِهِ لَهُ كَانَ أَحْمَقَ، سَاقِطًا مِنْ عَيْنِ سَيِّدِهِ، إِنْ لَمْ يَسْتَوْجِبْ عُقُوبَتَهُ. إِذْ عُبُودِيَّتُهُ تَقْتَضِي خِدْمَتَهُ لَهُ. وَإِنَّمَا يَخْدِمُ بِالْأُجْرَةِ مَنْ لَا عُبُودِيَّةَ لِلْمَخْدُومِ عَلَيْهِ. إِمَّا أَنْ يَكُونَ حُرًّا فِي نَفْسِهِ، أَوْ عَبْدًا لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا مَنِ الْخَلْقُ عَبِيدُهُ حَقًّا، وَمِلْكُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، لَيْسَ فِيهِمْ حُرٌّ وَلَا عَبْدٌ لِغَيْرِهِ فَخِدْمَتُهُمْ لَهُ بِحَقِّ الْعُبُودِيَّةِ، فَاقْتِضَاؤُهُمْ لِلْأُجْرَةِ خُرُوجٌ عَنْ مَحْضِ الْعُبُودِيَّةِ.
وَهَذَا لَا يُنْكَرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَا يُقْبَلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَهُوَ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ وَتَمْيِيزٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ ذِكْرُ طُرُقِ الْخَلْقِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَبَيَّنَّا طَرِيقَ أَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ.
فَالنَّاسُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهُمْ: مَنْ لَا يُرِيدُ رَبَّهُ وَلَا يُرِيدُ ثَوَابَهُ. فَهَؤُلَاءِ أَعْدَاؤُهُ حَقًّا. وَهُمْ أَهْلُ الْعَذَابِ الدَّائِمِ. وَعَدَمُ إِرَادَتِهِمْ لِثَوَابِهِ إِمَّا لِعَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ بِهِ، وَإِمَّا لِإِيثَارِ الْعَاجِلِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ سَخَطُهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَنْ يُرِيدُهُ وَيُرِيدُ ثَوَابَهُ، وَهَؤُلَاءِ خَوَاصُّ خَلْقِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: ٢٩] فَهَذَا خِطَابُهُ لِخَيْرِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، أَزْوَاجِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: ١٩] ، فَأَخْبَرَ أَنَّ السَّعْيَ الْمَشْكُورَ: سَعْيُ مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ. وَأَصْرَحُ مِنْهَا قَوْلُهُ: لِخَوَاصِّ أَوْلِيَائِهِ - وَهُمْ أَصْحَابُ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُمْ - فِي يَوْمِ أُحُدٍ: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [آل عمران: ١٥٢] فَقَسَمَهُمْ إِلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا.
وَقَدْ غَلِطَ مَنْ قَالَ: فَأَيْنَ مَنْ يُرِيدُ اللَّهَ؟ فَإِنَّ إِرَادَةَ الْآخِرَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَثَوَابِهِ. فَإِرَادَةُ الثَّوَابِ لَا تُنَافِي إِرَادَةَ اللَّهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ يُرِيدُ مِنَ اللَّهِ، وَلَا يُرِيدُ اللَّهَ. فَهَذَا نَاقِصٌ غَايَةَ النَّقْصِ. وَهُوَ حَالُ الْجَاهِلِ بِرَبِّهِ، الَّذِي سَمِعَ: أَنَّ ثَمَّ جَنَّةً وَنَارًا. فَلَيْسَ فِي قَلْبِهِ غَيْرُ إِرَادَةِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ الْمَخْلُوقِ، لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ سِوَاهُ الْبَتَّةَ. بَلْ هَذَا حَالُ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، الْمُنْكِرِينَ رُؤْيَةَ اللَّهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.