[أن العرب لم تضع جناح الذل لمعنى ثم نقلته من موضعه إلى غيره]
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ جَنَاحَ الذُّلِّ لِمَعْنًى ثُمَّ نَقَلَتْهُ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَمِنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالِطٌ، فَلَيْسَ لِجَنَاحِ الذُّلِّ مَفْهُومَانِ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِهِمَا مَجَازٌ فِي الْآخَرِ، كَمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي لَفْظِ أَسَدٍ وَبَحْرٍ وَشَمْسٍ وَنَحْوِهَا، وَإِنَّمَا يَنْشَأُ الْغَلَطُ فِي ظَنِّ الظَّانِّ أَنَّهُمْ وَضَعُوا لَفْظَ جَنَاحٍ مُطْلَقًا هَكَذَا غَيْرَ مُقَيَّدٍ، ثُمَّ خَصَّصُوهُ فِي أَوَّلِ وَضْعِهِ بِذَوَاتِ الرِّيشِ ثُمَّ نَقَلُوهُ إِلَى الْمَلَكِ وَالذُّلِّ فَهَذِهِ ثَلَاثُ مُقَدِّمَاتٍ لَا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِثْبَاتُهَا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِهَا إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُكُمْ: نُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ يَتَوَقَّفُ الْمَجَازُ عَلَى الْمُسَمَّى الْآخَرِ بِخِلَافِ الْحَقِيقَةِ؟ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا كَانَ إِطْلَاقُهُ عَلَى أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ مُتَوَقِّفًا عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَدْلُولِ الْآخَرِ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَدْلُولِهِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَدْلُولِ الْآخَرِ مَجَازًا.
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: ٥٤] فَإِنَّ إِطْلَاقَ الْمَكْرِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُتَصَوَّرِ مِنَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْنَى الْمُتَصَوَّرِ مِنَ الْخَلْقِ، فَهُوَ حِينَئِذٍ مَجَازِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، حَقِيقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا أَيْضًا مِنَ النَّمَطِ الْأَوَّلِ فِي الْفَسَادِ، أَمَّا (أَوَّلًا) فَإِنَّ دَعْوَاكُمْ أَنَّ إِطْلَاقَهُ عَلَى أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْآخَرِ دَعْوَى بَاطِلَةٌ مُخَالِفَةٌ لِصَرِيحِ الِاسْتِعْمَالِ، وَمَنْشَأُ الْغَلَطِ فِيهَا أَنَّكُمْ نَظَرْتُمْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: ٥٤] وَقَوْلِهِ {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا} [النمل: ٥٠] وَذَهَلْتُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: ٩٩] فَأَيْنَ الْمُسَمَّى الْآخَرُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: ١٣] فُسِّرَ بِالْكَيْدِ وَالْمَكْرِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ - وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم: ٤٤ - ٤٥] .
فَإِنْ قُلْتُمْ: يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ الْمُسَمَّى الْآخَرِ لِيَكُونَ إِطْلَاقُ الْمَكْرِ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا - وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: ١٥ - ١٦] وَقَوْلِهِ: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: ١٤٢] وَقَوْلِهِ: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: ٦٧] فَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَحْسُنُ عَلَى وَجْهِ الْمُقَابَلَةِ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً فَيُقَالُ: إِنَّهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.