ثم قال في ترجمته لمكحول [نفس المرجع: ٥/١٥٥، ١٦٠ ترجمة ٥٧١] في معرض ذكره لبعض من روى عنهم:
أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث وأرسل عن عدة من الصحابة لم يدركهم كأبي بن كعب وثوبان وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني ... إلخ.
ولسنا ندري كيف جزم بأن مكحولًا لم يدرك أبا ثعلبة مع أنه نقل عن أبي حسان الزيادي وأبي عبيد أن أبا ثعلبة توفي سنة خمس وسبعين، ومن قبل ذلك نص بأنه (نزل الشام وقيل سكن داريا، وقيل قرية البلاط - وهذه موجودة عامرة حتى الآن في ضواحي دمشق – وله بها ذرية) .
في حين أن مكحول عرف بـ (مكحول الشامي) إذ هاجر من مصر إلى الشام بعد أن عتق، وكان مولى لبعض سكانها وفيها توفى، وكانت وفاته ما بين سنتي اثنتي عشرة وثماني عشرة ومائة، وما من أحد ممن ترجم له ذكر أنه توفي دون الكهولة وهذا يعني أنه عند وفاة أبي ثعلبة الخشني سنة خمس وسبعين كان في سن تحمل الرواية، والظاهر أن اضطرابهم في أمره نتج عن سببين:
السبب الأول، اتهام بعضهم لمكحول بالقول بالقدر اتهامًا ألح فيه البعض إلحاحًا شديدًا، ولعل من هؤلاء من أراد تدعيم توهين مكحول بالتشكيك في لقائه لبعض من أسند إليهم من الصحابة.
أما السبب الثاني: فيما يبدو لنا فهو ما كان بين الحجازيين والعراقيين والشاميين المحدَّثين من تنافس بلغ حد تشكيك بعضهم في بعض والتماس أيسر الأسباب وأوهى الشبهات لتدعيم هذا التشكيك، وقد يكون ثمة سبب ثالث وهو أنهم درجوا على التمييز بين كلمة (عن) وكلمة (حدثنا) أو (حدثني) واعتبار كلمة (عن) في الإسناد دون التصريح بالتحديث مرتبة، بل والتذرع بها أحيانًا إلى دعوى (التدليس) على حين أن المتأمل في نهج الرواية عند الصدر الأول من التابعين ومن نحا نحوهم من الجيل الثاني منهم بل وعند الصحابة عامة يتبين أن كلمة (عن) هي التي كانت سائدة لديهم في الإسناد ولم يلتزموا بكلمة (حدثنا) أو (حدثني) إلا بعد أن ظهر الوضع من بعض خصوم الإسلام والتزييف بهدف الاستكثار من بعض أدعياء العلم لدوافع من أبرزها الازدلاف إلى الأمويين من عصر معاوية فما بعده والمناهضة لهم من خصومه وكلا الفريقين كان فيهم من يعمد إلى الاستكثار بتزييف الأسانيد ومن تتجاوز به الجرأة هذا الحد فيعمد إلى الوضع.