للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشيخ تقي العثماني:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد؛ فإن أحكام النقود الورقية تنبني على تكييفها الفقهي، وما تفضل به أخونا الدكتور إبراهيم هو جيد جدًا، من حيث أنه ينبغي أن نعود إلى قاعدة الغطاء الذهبي، ولكنني كما تفضل به الدكتور عبد العزيز حفظه الله نواجه واقعًا عمليًا، فهناك في مسألة تكييف النقود الورقية آراء للعلماء تتلخص في ثلاثة أراء:

الرأي الأول: إن هذه النقود ليست أموالاً، وإنما هي وثائق مالية لا سندات دين.

والرأي الثاني: أنها أثمان عرفية، أثمان رمزية واصطلاحية.

والرأي الثالث: أنها أثمان كالذهب والفضة، أثمان حقيقية كالذهب والفضة.

فأما الرأي الأول وهو أنها وثائق مالية وليست سندات دين، فإن هذا الرأي يتفرع منه أن لا يجوز مبادلة بعض الأوراق ببعضها ولو متماثلة؛ لأنها تكون حينئذ بيع الكالئ بالكالئ، أو بيع الدين بالدين، والحقيقة أن الأوراق النقدية وإن كانت في بداية أمرها وثائق وسندات لديون، ولكن ذكرت في بحثي عن تاريخ تطوير هذه النقود أنها لم تعد اليوم سندات لدين؛ لأنها ليس وراءها أي غطاء اليوم، غطاء من الذهب أو الفضة، وإنما صارت أثمانا اصطلاحيًا وعملة قانونية، حتى إن الفلوس هي عملة قانونية محدودة، والأوراق النقدية هي عملة قانونية غير محدودة. بمعنى أن المدين يجبر على قبولها، بغض النظر عن مقدار الدين، فحينئذ صارت هذه النقود لم تعد اليوم وثائق مالية أو سندات دين. فبقي عندنا رأيان:

الرأي الأول: هو أن تكون هذه الأوراق أثمانا حقيقية كالذهب والفضة.

فهذا فيما أظن مخالف للبداهة؛ لأن الآثمان الحقيقية هي التي تعتبر أثمانا لقيمتها الذاتية، والنقود الورقية ليس فيها قيمة ذاتية، إنما هي قيمة اعتبارية، وهي التي يسميها علماء الاقتصاد الثمن الرمزي. فالحقيقة أن هذه النقود إنما صارت أثمانا باصطلاح الناس، وما صار ثمنا باصطلاح الناس فهو ثمن رمزي، ثمن اصطلاحي، ثمن عرفي، ولا يقال: إنه ثمن حقيقي. ولكن حينما نقول: إنها أثمان عرفية ليس معنى ذلك أنها لا يجري فيها الربا؛ لأنها إذا اعتبرت أثمانا عرفية صارت في حكم الفلوس، والرأي الراجح عند جمهور الفقهاء هو أن بيع الفلوس بالفلوس لا يجوز بالتفاضل، ويجري فيها الربا إذا بيعت متفاضلة.

<<  <  ج: ص:  >  >>