قال التمرتاشي:" اعلم أنه إذا اشترى بالدراهم التي غلب غشها، أو بالفلوس، وكان كل منهما نافقًا حتى جاز البيع، لقيام الاصطلاح على الثمنية، ولعدم الحاجة إلى الإشارة لالتحاقها بالثمن، ولم يسلمها المشتري للبائع، ثم كسدت؛ بطل البيع، والانقطاع عن أيدي الناس كالكساد، وحكم الدراهم كذلك، فإذا اشترى بالدراهم، ثم كسدت، أو انقطعت، بطل البيع، ويجب على المشتري رد المبيع إن كان قائمًا، ومثله إن كان هالكًا، وكان مثليًا، وإلا فقيمته، وإن لم يكن مقبوضًا، فلا حكم لهذا البيع أصلًا، وهذا عند الإمام الأعظم، وقالا: لا يبطل البيع؛ لأن المتعذر إنما هو التسليم بعد الكساد، وذلك لا يوجب الفساد؛ لاحتمال الزوال بالرواج، كما لو اشترى شيئًا بالرطبة، ثم انقطع، وإذا لم يبطل وتعذر تسليمه، وجبت قيمته، لكن عند أبي يوسف يوم البيع، وعند محمد يوم الكساد، وهو آخر ما تعامل الناس بها، وفي الذخيرة الفتوى على قول أبي يوسف، وفي المحيط والتتمة والحقائق بقول محمد يفتى؛ رفقًا بالناس، ولأبي حنيفة أن الثمنية بالاصطلاح فيبطل لزوال الموجب، فيبقى البيع بلا ثمن. والعقد إنما يتناول عينها بصفة الثمنية، وقد انعدمت، بخلاف انقطاع الرطب، فإنه يعود غالبًا في العام القابل، بخلاف النحاس، فإنه بالكساد رجع إلى أصله، وكان الغالب عدم العود"(١) أما إذا لم يكن كسادٌ بل كانت تروج في بعض البلاد دون بعض، وكان التعاقد في البلد الذي ذهب رواج النقد المعقود عليه فيه، فحينئذ لا يبطل العقد بل يتخير البائع أو نحوه، إن شاء أخذ قيمته، وإن شاء أخذ مثل النقد الذي وقع عليه العقد.
وأما إذا انقطع النقد بحيث لم يبق في السوق، فعليه من الذهب والفضة قيمته في آخر يوم انقطع. أما إذا غلت الدراهم أو الفلوس أو رخصت قبل القبض، لا يبطل العقد، ولكن له ما وقع عليه العقد عند أبي حنيفة، وله قيمتها عند أبي يوسف من الدراهم يوم البيع والقبض. قال العلامة الغزي: وعليه الفتوى. وهكذا في الذخيرة والخلاصة، فيجب أن يعول عليه إفتاءً وقضاءً "، ثم قال: " وقد تتبعت كثيرًا من المعتبرات من كتب مشايخنا المعتمدة، فلم أر من جعل الفتوى على قول أبي حنيفة، بل جعلوا الفتوى على قول أبي يوسف في كثير من المعتبرات، فليكن المعوّل عليه " (٢) ، ثم علق عليه ابن عابدين بأن الظاهر من كلامهم أن جميع ما مر إنما هو في الفلوس والدراهم التي غلب غشها (٣) ، غير أنه ذكر أن بعض الحنفية عمموا الحكم في المغشوشة وغيرها (٤) .
(١) رسالة النقود: ٢ / ٥٩. (٢) المصدر السابق نفسه. (٣) المصدر السابق: ٢ / ٦٠ – ٦١؛ والهداية وفتح القدير: ٧ / ١٥٥. (٤) النقود: ٢ / ٦٢؛ وفتح القدير: ٧ / ١٥٤ – ١٥٨.