ثم انتقلت بعد ذلك إلى مبحث ثان في أهلية المذكي, وذكرت أنه لا خلاف بين الأمة في كون المسلم أولى من يقوم بالتذكية من أجل سلامة باطنه من الانحراف الفكري، وظاهره من الانحراف السلوكي، وهو أولى بأن يحافظ على الأمانة ويعطي التذكية حقها الشرعي، ولا خِلَاف أيضا بين الأمة في أن المشركين من عبدة الأوثان والملاحدة الذين لا دين لهم لا تحل ذبائحهم، لأنها في حكم الميتة إلا ما ذكره بعض المتأخرين، وهذا كما قال فضيلة الشيخ العثماني: لا يلتفت إليه.
كذلك ذكرت بأن لأهل الكتاب حكما خاصا مخالفا لأحكام المشركين في ذلك لقوله تعالى:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}[المائدة: ٥] ، وإنما وقع الخلاف في أمور وقفت عند بعضها لعدم اتساع البحث لاستيعابها كلها منها:
- هل يشترط أن يكون المذكي عاقلا أو أن يكون بالغًا؟
- حكم المرتد إلى النصرانية أو إلى اليهودية.
- وكذلك الأعجم.
عدة قضايا وقع فيها الخلاف ذكرت أقوال العلماء فيها.
ثم انتقلت بعد ذلك إلى مبحث ثالث فيما يذكى به, وقلت: ينبغي للإنسان أن يحرص على الرفق بالحيوان حسب وسعه في تذكيته، فيختار له الآلة الأنسب التي تؤدي إلى الغرض مع التخفيف عنه بقدر المستطاع، وذكرت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:((إن الله كتب الإحسان على كل شيء)) . وعلى هذا الأساس يكون اختيار آلة التذكية، وقد وسع الله تعالى لعباده المجال في ذلك ليختاروا بأنفسهم ما يرونه أنسب، كما يدل عليه حديث رافع بن خديج - رضي الله عنه- عندما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب؟ فقال صلى الله عليه وسلم:((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر وسأحدثكم عنه، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة)) فالحديث أطلق جواز التذكية بكل ما أنهر الدم إلا أنه استثنى شيئين دل تعليله استثناء أحدهما على استثناءٍ ثالث لهما، فهو دليل على عدم جواز الذكاة بالعظام كالأسنان والأظافر.