للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

ولئن وقع النكاح بامرأة من أهل الكتاب على غير طريق المسلمين، مثل نكاح إحدى المحرمات، أو النكاح بغير شهود، أو بغير الإيجاب والقبول المشروعين، لا يقول بحله أحد، فتبين أن حلة نساء أهل الكتاب مشروطة بأن يقع العقد بطريق مشروع عند المسلمين، ولو وقع العقد بطريق غير مشروع فلا يصح الاستدلال على حلته بقول الله عز وجل: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُم} [المائدة: ٥] ، فكيف لا تكون حقة ذبائحهم مشروطة بأن يقع الذبح بطريق مشروع؟ ولئن وقع ذبحهم بطريق غير مشروع مثل الخنق والوقذ، فكيف يصح الاستدلال على حلته بقوله تعالى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: ٥]

مع أن كلا الحكمين مقترنان في نسق واحد.

سابعا: أن حرمة الميتة والمنخنقة والموقوذة ثابتة بالنص القطعي المطلق، فإن فقهاء الأمة أطبقوا على حرمتها، ولو كان الخانق أو الواقذ من أهل الكتاب. ولم يقل أحد بحل المخنوقة أو الموقوذة بيد كتابي- فيما نعلم- إلا ابن العربي في عبارته المذكورة في نفس الكتاب، أفتترك نصوص الكتاب والسنة والأدلة القوية التي ذكرناها؛ بمجرد فتوى شاذة لابن العربي، في حين أنها متناقضة، وفي حين أنها مبنية على زعم المخنوقة حلال في دين النصارى، وقد تبين خطؤه بنصوص كتبهم المقدسة.

ثم تعرضت للمسألة الثانية، وهي أنها هل يشترط للكتابي أن يسمي الله تعالى؟ وهل تحل ذبيحته إذا لم يسم؟ فهناك أقوال للفقهاء ذكرتها، والجمهور على أنه يشترط في الكتابي أيضا أن يسمي الله تعالى عند الذبح، ولكن ذهب المالكية إلى أنه إنما تشترط التسمية في حق المسلم، ولا تشترط في حق الكتابي، فإذا ذبح الكتابي ولم يسم الله تعالى فإن الذبيحة حلال عند المالكية.

وقد ذكرت أن الراجح المؤيد بالنصوص، هو أنه يشترط التسمية للكتابي كما أنه يشترط للمسلم، ولكن قضية ترك التسمية أخف بالنسبة إلى مسألة الخنق والوقذ، من جهة أن حرمة متروك التسمية من ذبائح أهل الكتاب مسألة مجتهد فيها، أما مسألة الخنق والوقذ فهي مسألة إجماعية ليست محل اختلاف.

<<  <  ج: ص:  >  >>